"سنتمكن من إحياء كافة القطبات الملونة المختبئة والمتصلة مع بعضها، فهي مجرد قطبة وصل صغيرة" شباك سوري
article comment count is: 0

مدن سورية مجهولة للكثير منا

 كان مكتب الفصول الأربعة للسياحة والسفر في المسلسل السوري “أحلام كبيرة”؛ حلمي الكبير جداً. مكتبٌ مختصٌ بتنظيم رحلات سياحية داخلية، أكون أنا الدليلة السياحية فيها، فأغتنم بذلك فرصة السفر والتجوال بين المناطق السوريّة كلها لأٌعرّف السياح عليها، أو ربما لكي أتعرف أنا، وهنا كان يتبادر إلى ذهني السؤال الأصعب: “كيف سأتولى مهمة الشرح عن شيء أنا لا أملك عنه معلومات سوى اسمه! لدرجة أن مخيلتي الصغيرة لم ترسم لي مناطق سياحية في سوريا سوى تدمر، أو لعل كل المخيلات من حولي لم تساعدني على رسم صورة أكبر!”.

مدن مجهولة

مشتى الحلو هو وجهتنا الأولى، والأولى جداً، فلم يسبق لنا كعائلة أن فكرنا بتنظيم رحلة داخلية دون أيّ مناسبة تذكر، فكانت جلّ نزهاتنا قبل الحرب تقتصر على بعض الأماكن، والتي بدورها تختلف وتتنوع تبعاً للحالة الجغرافية، الاقتصادية والاجتماعية لكل عائلة سورية، حيث أن فكرة الرحل الداخلية كلها لم تكن مطروقة بشكل كبير آنذاك حتى في أحلامنا، التي كانت مليئة بمدن مضيئة، بعيدة، نراها في أحلامنا فقط ونرسم عنها حكايات وردية لامعة، رواها لنا بعض من أبطالها الذين طاروا بعيداً إليها، ليعودوا بين الفينة والأخرى يجدوننا منغمسين في حياتنا نتململ من ركودها، منتظرين قصص مغامراتهم في تلك  المدن والبلاد البعيدة ناسيين ما حولنا وكأننا محبوسين في دائرة صغيرة فارغة وكئيبة.

هرمون الخوف

في “السيرفيس” كانت (ديانا) أكثرنا إصراراً على الجلوس بجانب النافذة، كانت أكثرنا حماساً، دهشةً وفرحاً بكل ما تراه عيناها، وهي التي لم أعتد يوماً أن أراها بفرط النشاط هذا كله!.

لكن على ما يبدو أن متعة الاستكشاف هي من حرضت بداخلها مشاعر كانت نائمة لمدة طويلة، ولربما كان الخوف هو من حرك السكون فيها.

“أنا ولا مرة شفت المشتى وبسمع عنه انه حلو كتير، وما عاد بدي أسمع مجرد سمع عن المناطق وما لحق شوفها، بخاف يجي يوم ونخسرها متل ما خسرنا كتير مناطق هلق بتمنى لو فيي شوفها، بخاف أرجع أتحسر ع مناطق جديدة ما رحت زرتها”.

لا يأتي الانتماء إلا بعد عداوة

أذكر تماماً خيبة الأمل التي لونت عينيه منذ عدة سنوات مضت، عندما لم تجر الرياح بما يشتهي (حسن) لسفنه، التي بقيت هنا ولم تستطع الإبحار به إلى مستقبل تمناه لنفسه بعيداً عن أصوات الرصاص والمجهول المخيف.

ولكن حينما يضيق بك المكان ويتشوه مفهوم السفر في رأسك ويصبح مجرد معبر إلى قارات وبلاد ومدن وضعت كافة العصي التي لديها في الدواليب على طريق ذهابك إليها، فسوف تبدأ بالبحث عن متنفس قريب منك، متنفس لا يطالبك بفيزا ولا برصيد في البنك، لا تحتاج سوى فيزا من التعايش والتأقلم مع كل المساحات المحيطة بك لعلك تجد نفسك قادراً على إخراج نفسك من سجن أنت من وضعك به.

وأمام أفكاري هذه ظهر منشور أزرق “حسن مسافر من دمشق إلى مشقيتا مع اثنين آخرين” ويشعر بالحماس!.

“صرت استغل أنه عندي رفقات من كتير مناطق بسوريا وقررت روح زورهن وكانت فرصة لأتعرف على مناطقهن وعاداتهن، بصراحة ما كنت متوقع اكتشفت بيوم من الأيام أنه في عنا أماكن حلوة لهي الدرجة هون، أكيد هيّ بحاجة لعناية واهتمام، بس بتضلها حلوة، وقريباً رايح مع رحلة كشاف وكتير متحمس لهاد الشي”.

قطبة متأخرة خير من “بلا”

في كل مرة أزور فيها جدتي بريف حماه- السلمية أجدها على كرسيها المعتاد، حانية ظهرها، رقبتها وحواسها كلها لقطعة ثياب بين يديها الناطقتين بتعب العمر كله، محاولة لم شمل الخيوط دون أن تعير أي اهتمام لعينيها وهما يطالبان باللجوء للنوم والراحة، جلّ ما تصبو إليه هو تقطيب تلك الثياب!.

“أول خيط انقطع من كنزتي قلت معلش مو مبين، رح خبيه وبس كون فاضية بقطبه، ومرت الأيام ونسيته، وصار خيط ورا التاني ينقطعوا، لحد ما انتزعت الكنزة كلها وكبيتها، لهيك من يومتا لهلق بقطب كل التياب حتى لو كانوا جداد”

قد يكون الخيط رفيعاً ومهترئاً، قد نكون منهكين حد اليأس، لكن هنالك دوماً إبرة وخيط جديد، إن بحثنا عنهما سنجدهما بكل تأكيد، وحينها فقط سنتمكن من إحياء أنفسنا من جديد، سنتمكن من إحياء كافة القطبات الملونة المختبئة، فهي مجرد قطبة وصل صغيرة.

اترك تعليقاً