شاباتان سوريتان تجلسان في أحد مقاهي مدينة اللاذقية/ شباك سوري
article comment count is: 0

عندما تُحارب الصور النمطية بمثلها

لدى الحديث عن موضوع الصور النمطية التي يخلقها التفاعل الاجتماعي بين أفراد من المفترض أن توحدهم هوية واحدة، كثيراً ما يتم التركيز على صورٍ بعينها، مع إغفال لصورٍ أخرى هي حاضرة في واقعنا وناتجة مباشرة عنه. ولأن التنميط مرتبط بالتفاعل الاجتماعي أولاً، فغالباً ما يشكّل ذلك سلسلة معقّدة من الصور النمطية، فيصبح ذلك الإنسان الذي يسلّم بالصور النمطية القائمة هو ذاته عرضة ليكون عنصراً خاضعاً لصورٍ نمطية أخرى.

يقول د.سيرغي قره مورزه، واحد من أهم الباحثين في مجال منظومات الوعي الاجتماعي، إنه “إذا نجح دفع أعداد كبرى من الناس لرؤية الظاهرة الاجتماعية من خلال الصورة النمطية، فإنه يصير من الصعب جداً على غير الموافقين أن يدعوا الناس إلى المعنى السليم، وإقناعهم بأن يتوقفوا ويفكروا ولا يتخذوا قرارات مسرعة”. هذا هو بالضبط حال شريحة واسعة من الشباب الذين قابلناهم، والذين وجدوا صعوبة بالغة في منع ردود الفعل الناتجة عن تعميم الصور النمطية.

خلال سنوات دراسته الجامعية في دمشق، تعرّض وسام لإزعاجات عدة ناتجة عن كونه من أحد أرياف المنطقة الشرقية للبلاد، وبحسب تقديره، لم تكن هذه الإزعاجات مقصودة بقدر ما كانت تمثّل تبايناً في التفاعل الاجتماعي ما بين عقليتي الريف والمدينة: “بالنسبة لي، استطعت تجاوز الموضوع رغم أنه أزعجني كثيراً في البداية، لكنني عندما فكرت في الموضوع ملياً، وجدت أنه حتى بين صفوفنا نحن أبناء الريف هنالك صورة نمطية سائدة عن أبناء المدن، حيث غالباً ما يتم النظر إليهم بوصفهم أناس تحكم التجارة وحسابات الربح والخسارة آلية تفكيرهم أي أنه هنالك نظرة إليهم على أنهم انتهازيون بطبيعتهم”، يستدرك وسام: “لكنني عندما جربت التعامل مع عدد كبير من أصدقائي من أبناء المدن، وجدت أن هذه الصورة النمطية في الغالب ليست صحيحة، هنالك بالتأكيد أرضية لهذه الصورة، لكن التعميم خاطئ بالضرورة، وهذا ما استنتجته بتجربتي”.

في هذا السياق أيضاً، تروي رنا، التي انضمت سابقاً لإحدى المنظمات غير الحكومية التي تعنى بحقوق المرأة داخل البلاد، كيف وجدت نفسها غارقة في التنميط في وقتٍ كانت تحاول فيه أن تحاربه: “للأسف، فإن الطريقة التي تتخذها بعض الناشطات النسويات هي الإسهاب في تعميم صورة نمطية عن الرجل مقابلة للصورة النمطية الموجودة عن المرأة، وبعضهنّ كان يعتمد على قاعدة “كل رجل مذنب حتى تثبت براءته”، وبالتأكيد هذا خطأ كبير، فمن خلال تجربتي مع أصدقائي الشباب وجدت أن الكثير منهم معنيٌّ بحقوق المرأة أكثر بكثير من بعض النساء”، وتبرر رنا: “أعتقد أن السبب هو قلة الخبرة بالتعامل مع مثل هذه المسائل، وأنا لا أعمم كلامي على جميع العاملات في هذا الميدان، لكن لا يمكن إنكار أن مثل هذا الخطر حاضر لدى بعضهنّ”.

بالطريقة ذاتها، يؤكد أنس، الذي أجبرته ظروف الحرب للنزوح من إحدى عشوائيات دمشق إلى مدينة جرمانا في ريف دمشق، أنه اتخذ خلال السنوات الأولى لإقامته في المدينة موقفاً رافضاً للبيئة الجديدة التي دخلها، وذلك لما واجهه من صعوبات في التواصل وخلق دائرة علاقات جديدة في حياته: “ملتُ بطبيعة الحال لتبني الصور والانطباعات الجاهزة عن هذه المدينة وأبنائها، ودخلت في مرحلة انعزال لم تكن مريحة أبداً بالنسبة لي ولأهلي، ولكنني بعد فترة من الزمن تجاوزت هذا الموضوع لا لشيء، بل لأنني تجاوزت ما كان يمثل بالنسبة لي خطوطاً حمراء، جرّبت التواصل مع أبناء البيئة المحلية والتفاعل معهم، وموّنت نفسي في كثير من المسائل التي واجهت الحارة التي أعيش فيها، وجدت صعوبات بالتأكيد، لكن الواقع لم يكن أسود تماماً كما كنت أتخيل. مدّ لي الكثيرون يد المساعدة والعون، واكتشفت على سبيل المثال خلال هذه التجربة أنه حتى بين أبناء هذه المدينة هنالك الكثير من التباينات، وليسوا على رأي واحدٍ دائماً كما كنت أعتقد”.

صحيح أن الإنسان لا يستطيع دائماً أن يعيد التفكير في كل “البديهيات” التي يرى أنها ثابتة، وصحيح أن الحياة ستبدو أصعب لو اضطر إلى إجراء مراجعة دائمة للمواقف التي يتبناها، لكن التجربة تشير إلى أن الخلاص من مرض التنميط لم ينجح في العدد الأكبر من الحالات إلا من خلال إعادة التفكير والتجربة والمزيد من التفاعل مع الوسط المحيط.

اترك تعليقاً