هل علينا مراعاة ذهنية المجتمع بعاداته وتقاليده، أم علينا السعي للتغيير؟/طرطوس- نغم سلمان شباك سوري
article comment count is: 1

يعلّق: “بتضلك مرا”.. تجاوبه: “ارجع لورا”

“مرا! ما بقبل تحكم بقضيتي مرا”.. غاضباً قالها الرجل، وبيديه ملفه القضائي أمام قوس المحكمة، ليكمل صراخه بالقول: “من إيمتى النسوان بيعملوا قضاة”.

حادثة ليست من ثلاثينات أو أربعينات القرن العشرين، بل هي قصة حدثت منذ ثلاثة أشهر فقط، في القرن الواحد والعشرين، في إحدى محاكم مدينة طرطوس أثناء اعتلاء القاضية الأربعينية قوس المحكمة، ليتقدم إليها محامي الرجل طالباً منها إحالة القضية لمحكمة أخرى يترأسها رجل.

أثناء انتظار دورها أمام قوس المحكمة شهدت ماريا عباس،(41 عاماً)، الحادثة بتفاصيلها، فعلّقت مستغربة وبصوت منخفض، متجهة بالكلام إلى محاميها: “طبيعي هالحكي! لسى في ناس هيك بتفكر؟ لتفاجئ برد محاميها الذي قال: “الحق عالحكومة عم تحط نسوان قضاة”.

“يبدو أن المحامي لم يسمعني جيداً” تضيف ماريا، وهي تسرد لنا الحادثة ضمن جلستنا النسائية في أحد مقاهي مدينة طرطوس، الذي يجمع عدة فتيات من المدينة، وعلى اختلاف أعمارنا وتجاربنا؛ جاءت ردود أفعالنا على الحادثة متفاوتة.

طبيعة ذهنية تسيطر في مجتمعنا!

على الرغم من أن القاضية تمتلك سلطة قضائية ومسوغاً قانونياً يخولانها اتخاذ إجراء صارم بحق الرجل؛ إلا أنها لم تتخذ أي إجراء. حتى لم تعلق على صراخه، بل استجابت لطلب محاميه بإحالة القضية لمحكمة يترأسها رجل رغم عدم وجود مسوغات قانونية لمثل ذلك. هذا ما جعل مدرّسة الابتدائي والناشطة المجتمعية نعمة زغيبي، (40 عاماً)، ترى أن القاضية تصرفت بحكمة، فمارست مهارة عدم الاستماع، كونها تدرك طبيعة وذهنية المجتمع المحيط. تقول نعمة: “سكوت القاضية لم يكن قلة ثقة بنفسها أو بمركزها، بل قوة”.

لكن ماذا عن أن القاضية تمثل مركزاً وسلطة مهنية، وليست ممثلاً شخصياً عن نفسها، فهل من المسموح لذهنية المجتمع أن تحاكم مركزاً أو سلطة لأن ممثلها أنثى؟ وماذا لو كان القاضي رجلاً؟ هل سيسمح لذهنية مجتمع أن تحاكمه شخصياً بدلاً من محاكمة مركزه؟ تساؤلات طرحتها مدربة التنمية هديل عباس، ٢٧ عاماً، والتي ترى أن المسألة قضية احترام، والرجل المعترض قلل من شأن مركز القاضية على قوس المحكمة. تقول هديل: ” القاضية تمثل مركزاً وسلطة، فكان عليها أن تذكّر الرجل بالمكان الذي يقف فيه، بينما هي تجلس على قوس المحكمة، هنا قانون ودستور، وليس مكاناً للعادات والتقاليد”. تبرر هديل رأيها: “صمت القاضية لن يشكل رادعاً للرجل الذي قد يكرر موقفه في مناسبات قادمة، لهذا السبب كان يجب إيقافه عند حده.”

هل علينا مراعاة ذهنية المجتمع بعاداته وتقاليده، أم علينا السعي للتغيير؟ هل كان السكوت مجدياً، أم أن الفعل كان سيبدو أجدى؟ ماريا التي شهدت الموقف كانت قد عبّرت أثناء سردها للحادثة أنها احترمت قرار القاضية بعدم الرد وتفضيل الصمت. تقول ماريا: “صحيح أنه كلما سكتنا عن هذه الحالات يزداد تواتر حصولها، بل تصبح أمرا عادياً، إلا أنه علينا اختيار الوقت والمكان المناسبين لذلك التغيير”.

بعيداً عن الثرثرة.. ماذا عن تجاربنا الشخصية؟

ماريا ونعمة وهديل، إضافة إلى عملهن، يتخصصن في النشاط المجتمعي ضمن “جمعية فضا”، كميسر ومدرب ورشات عن العنف والجندرة، وبخلاف جلستنا التي كانت دردشة المستريح والمسترخي وهو يشرب القهوة ويدخن النرجيلة، نناقش موقف القاضية التي فضلت الصمت. إلا أن كلاً من هديل وماريا ونعمة لديهن تجارب أجبرن فيها أيضاً على التعامل مع ذهنية المجتمع بصمت تارةً، وبمواربة أو بفرض الموقف تارةً أخرى.

بحكم عمل نعمة كمدرسة في ريف طرطوس، تقود سيارتها الخاصة كل يوم ضمن شوارعها وصولا إلى ريفها؛ كان ذلك فرصة لبعض السائقين الرجال ممن يعبروا عن ذهنيتهم الرافضة لها، لمجرد أنها أنثى تقود سيارة، فعندما تتأخر نعمة ولو عدة ثوانٍ لتفسح المجال لسيارة تريد العبور على يسارها، وعندما يدرك السائق أنها أنثى؛ يبدأ بالانتفاض من داخل سيارته. وعندما تلاقت سيارتها بسيارة أخرى في طريق ضيق؛ كانت ردة فعل السائق الآخر، الذي وقف بسيارته في مكانه دون حراك، بالقول لها: “اتفضلي دبري حالك”. تتساءل نعمة مبتسمة: “هل كان ليتصرف بتلك الطريقة لو كنت رجلاً؟”. نعمة دائماً ما تبتسم في مثل تلك المواقف دون أن تتصرف اتجاه الآخر المعترض عليها، فتقول: ” أنا أثق بحسن قيادتي للسيارة”.

بينما ماريا وقبل أن تصبح مديرة جمعية تنموية، خاضت تجربة العمل في أكثر مكان يسيطر عليه الرجال، فتمرنت على يد أحد أهم المخلّصين الجمركيين في طرطوس، “أسامة الضابط”، الأنثى الوحيدة التي شقت ذلك الطريق منذ عشرات السنوات، والتي كان يحتكم إليها الرجال في خلافاتهم وفق قولها. وبعدما أصبحتْ تعمل بشكل مستقل ضمن مكتبها الخاص، اضطرت أن يكون لديها ضمن المكتب شركاء رجال بسبب رفض البعض للتعامل معها بشكل شخصي كونها أنثى، وفي إحدى المرات طلب منها أحد المخلّصين: “ابعتيلي الشب لأتفاهم معو”. تكمل ماريا القول: “فجأة عندما يرون أنك فتاة يصبح القانون مطبقاً”.

أما هديل، فكانت تستقل مع صديقاتها سيارة أجرة، ولأن السائق ومن دون أي سابق إنذار أو عذر مسوغ رفض أن يقف في المكان المتفق عليه، طالباً منهن الترجل من السيارة، مبدياً في بادئ الأمر عدم أخذ الأجرة، إلا أنه وما أن وطأت أقدامهن الشارع حتى استشاط السائق غضباً، وبدأ بالصراخ هاجماً بجسده على إحدى الفتيات، فما كان من هديل إلا أن وقفت أمامه معترضة هيجانه الشرس، قائلة: “ارجاااع  لورااااا”، مؤكدة أنها لن تتوانى عن أي إجراء قد يكلفها صورتها الأنثوية وفق حكم المجتمع وذهنيته.

الصمت المجدي والفعل الأجدى يتوقفان على..

لست متأكدة إن كان الصمت مجدياً أم أن الفعل أجدى، فموقفي يتأرجح وفق التجربة بين أن أكون كالمخلصة الجمركية، وبين التماهي مع صمت القاضية، فطبيعة عملي تحتم عليّ التعامل مع مختلف الأعمار والأجناس.

أحياناً كان الصمت بالنسبة لي مجدياً أمام زميلي في العمل، ولأني أنا الرئيس وهو المرؤوس، دائماً ما كان يلّوح لي بجملته حين يحتج على أمر ما، معترضاً لطلبي ومذكراً إياي بتصنيفه الجندري: “يا أنسة نغم.. أنا زلمة”، ذلك على خلاف رد فعلي عندما رفع أحد المراجعين إصبعه في وجهي مهدداً، وبغض النظر عن تفكيري بعدم فعله ذلك أمام رجل بنفس مركزي الوظيفي، لكني رأيت حينها أنه من الأجدى تذكيره: “بأنني لست أنثى هنا؛ بل ممثلة لمركز عمل”، ولأقول الحقيقة كنت شديدة الشراسة، ولم أهتم لحظتها بصورتي كأنثى، فرفعت صوتي والسبابة وكل ما يتحتم عليّ فعله لأوقف هجومه اتجاهي.

ماذا عنكِ أنتِ؟ هل كان الصمت مجدياً لكِ أم كان الفعل أجدى؟ ومتى يكون الوقت مناسبا؟ً.

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)