"حينما يغيب القانون بجميع أشكاله لن يشعر المتحرش بأي رادع" شباك سوري
article comment count is: 0

“لماذا يتحرّش المتحرشون؟!”.. وقفة سايكولوجية

“الكبت”، “التخلّف”، “التطرّف الديني” تلك بعضٌ من المسببات التي يسارع الناس إلى ذكرها حين السماع عن قصّة تحرّش جديدة، على اعتبار أن ما قيل كافٍ لشرح منبع الظاهرة وإدانة من يقوم بها. لكن الحقيقة أن الغوص في فهم الأسباب النفسية أو الاجتماعية التي تتخفى وراء التحرّش؛ أمرٌ بالغ التعقيد. فالظاهرة موجودة أيضاً في بلدانٍ أخرى يتمتع أبناؤها بالحرية الجنسية أو الدينية، كما أن نسبة حدوثها قد تختلف ضمن ذات البلد بين فترة وأخرى.

تلخص ربى التي قَدِمت للدراسة في دمشق عام (2000) الأمر الذي لفتها بالعاصمة: “كانت مدينة لم  يتعرض لي أحدٌ فيها بالكلام أو اللمس في الشارع خلال سنوات دراستي الأربع”.  فلماذا وجه دمشق تغيّر اليوم؟ وما دور الحرب في دفع الناس للتطرف والأذى وجعل شوارع العاصمة تظلم في وجه الفتيات؟ .

للوقوف على إجابات من وجهة النظر النفسية والاجتماعية كان لنا لقاءٌ مع المعالجة النفسية آلاء مراد الحاصلة على دكتوراه في علم النفس. والتي تعمل كمعالجة في عيادات خاصة أو ضمن منظمات دولية تعنى بمجال الدعم النفسي.

سمات مشتركة وجذور واحدة

ترى د. آلاء أن المتحرشين غالباً ما يشتركون في بعض السمات العامة، وإن كان من الضروري تجنّب إطلاق تعميمات قطعيّة. فالدراسات القليلة التي أجريت على هؤلاء دللت أن معظمهم وقعوا سابقاً ضحية للتحرش من قبل أشخاص يفوقونهم في العمر خمس سنين أو أكثر، بحيث يكونون أقدر على السيطرة على الموقف وإرهابهم.

تضيف المعالجة النفسية أن السمة الثانية المشتركة بين المتحرشين تتمثّل بزيادة احتمالية معاناتهم من أحد أنواع “اضطرابات الشخصية”(Personality disorder)،  وهو شكل خاص من الاضطرابات النفسية يتميّز بأنماط سلوكية ثابتة قد يصعب علاجها أو تعديلها. وضمن هذه المظّلة الواسعة من الاضطراب، هناك أيضاً فئات أكثر تحديداً كأن يعاني المعتدي من “اضطراب شخصية سلبي عدواني” أو “اضطراب شخصية معادي للمجتمع”.

تشرح د. آلاء أن المصابين بالنوع الأخير من هذا الاضطراب لا يحترمون أي قانونٍ أو قاعدة ويتمردون على جميع الأطر التي تحدد سلوكهم، ويبيحون السرقة والكذب وغير ذلك من السلوكيات المرفوضة اجتماعياً. كما قد يغيب لديهم الشعور بالشفقة اتجاه الآخرين. وتشير د. آلاء أن بعض المتحرشين قد يمتلكون ميولاً جنسية سادية تمتاز بالعنف أو التطرّف تحرّكهم للاعتداء. في المحصلة يشترك المتحرّشون من وجهة نظر د. آلاء بغياب شعورهم بالأمان وامتلاكهم نظرة دونية عن أنفسهم، ولذلك فمعظهم قد يتراجعون عند أدنى مواجهة من قبل الفتاة التي يحاولون أذيّتها.

وتشير د. مراد إلى قضية بالغة الأهمية ترتبط بالبيئة أو المناخ الحاضن الذي قد يشجع على هذا النمط من السلوكيات، فقد يكون ضمن الأسرة أفراد يبررون أو يتهاونون مع أخطاء الذكور ويتبادلون النكات والمزاح والمآثر الجنسية والعاطفية، بحيث تتحول أحاديثهم لمساحة تنافس خفيّة تضغط بدورها على الشبّان الذين لم يمتلكوا خبرات مشابهة بحيث يدفعهم ذلك للاعتداء في محاولة لإثبات الذات والكفاءة.

رابطّ بين الحرب والتحرّش

وعند سؤالها عن دور الحرب في زيادة حدوث الظاهرة، تجيب د. مراد بأن منظمة الصحة العالمية تؤكد ازدياد حدة ونسبة الأمراض والمشاكل النفسية عقب الأزمات والظروف الإستثائية كالحروب من ضعفين حتى أربعة أضعاف، والتحرّش بهذا المعنى كأحد أشكال الاضطرابات النفسية لا يشذ عن هذه القاعدة.

وتضيّف د. مراد  أن الحرب على المستوى الجماعي تكرّس حالة الفوضى وانتشار الشائعات عبر المبالغة وتضخيم الحوادث، وهذا المناخ يشجع البعض على استغلال غياب الرقابة وحضور القانون لإباحة المحظورات بحيث ينطلق البعض مدفوعين بذكرى تجارب سابقة مظلمة أو رغبات مكبوتة للقيام بما يشاؤون في محاولة للتخفيف من حدة قلقهم.

وأحياناً ما يتحوّل التحرّش إلى فعل انتقامي، كما يحصل مثلاً في حوادث الاغتصاب الجماعي. فهذا النوع من الاعتداء يستهدف كسر الإرادة الاجتماعية أكثر من تحقيق المتعة الفردية، وهذا ما يفسر حضوره كسلاح فاعل من أسلحة الحرب النفسية في الكثير من الحروب العالمية تاريخياً.

تقول د. آلاء: “حينما تتحوّل الحدائق لمنازل يسكنها الناس، ألا يزيد ذلك احتمالية أن يقوم أحد المشردين بالتحرش بفتاة عابرة؟ وحينما تغرق شوارع بكاملها في الظلام ألا تزيد إمكانية تكرار حوادث تحرش في هذه الأماكن؟ وعندما تكون مراكز حماية المعنفين غير مجهّزة أو مؤهلة بالحد الكافي بحيث يتحوّل بعضها لمصدر خطر بدلاً من ملجأ ألا يشجّع ذلك المتحرشين؟ كل ما في الأمر أن الحرب أيضاً تهدم البنى التحتية الضرورية لخلق بيئة آمنة، وكل ذلك يفسح المجال لازدياد حوادث من هذا القبيل”.

غالباً ما يشار إلى أهمية دور القانون بالمعنى الحقوقي والسياسي والاجتماعي، لكن قلما يلتفت الناس إلى أهميته بالمعنى النفسي. ولسنا نقصد بالقانون هنا التشريعات المكتوبة فقط، بل الضوابط والروادع التي يضعها الأفراد على سلوكهم أو يجبرهم المحيط على احترامها حتى يكونوا أكثر قبولاً ضمنه. لكن حينما يغيب القانون بجميع أشكاله لن يحس المتحرش بأي رادع. وفي المرة القادمة التي يرى فيها فتاة وحيدة سيتشجع للاقتراب منها، وهو يعلم بأن المجتمع يصفّق له أو يبرر سلوكه، أو ببساطة يشيح عيونه عنه متظاهراً بأنه لا يراه.

اترك تعليقاً