شابة سورية تتأمل عبر شباكها في مدينة دمشق/ شباك سوري
article comment count is: 0

على قيد الانتظار.. قصص نساء سوريات مع لم الشمل

من أمام مكاتب الترجمة في شارع رامي، الملاصق لساحة المرجة بدمشق، تنفست الصعداء، خارجة احتضن كومة الأوراق المترجمة التي عملت عليها منذ أسبوع، إنها المرة الرابعة التي أعيد العمل عليها، بعد خيبة أمل في حصولي على “الفيزا” ثلاثة مرات، خلال عامين، “الفيزا” التي تتوقف حياتي عندها.

كانت الدنيا قد أغلقت أمام عيني، في ذاك النهار، لم أتوقع أن ما خططنا له منذ عامين، إلى الآن لم يتحقق!.

ولم أستطع حتى أن أفكر بالوقت الذي مضى، والذي سيمضي، قبل أن أستطيع لقاء خطيبي في الطرف الآخر من الخريطة، وتذكرت الآمال التي حملتها في كل المرات الفاشلة.

أتأمل الناس حولي، جميعهم يركضون، أذابت الشمس وجوههم والانتظار أفئدتهم، يحملون أوراق مترجمة للغات عديدة، “ألمانية، تركية، فرنسية، سويدية…”، أغلبهم نساء يحملن أوراق تتعلق بـ”لم شمل، أو تقديم على الفيزا”.

“لست وحدي” قلتها في قلبي، وأدركت أنني اليوم، حالة واحدة من مئات الفتيات والنساء اللواتي ينتظرن قراراً يغير حياتهن، ولحين حصوله، سيكون الوقت، ثقيلاً، بطيئاً، ومتعباً.

الانتظار المقيت
منذ ثلاثة أعوام، تنتظر صديقتي ريم (26 عاماً) خبر حصول زوجها على الإقامة في بريطانيا، ليستطع التقديم على لم الشمل لها ولطفلها الذي يتطابق عمره، مع أعوام الانتظار الذي عاشته.

بحسرة تنظر لطفلها الذي ولدته ولم يره والده إلا عبر شاشة الموبايل، “مثل الحلم، كان كل ما حصل مثل الحلم.. بعد حالة من الاستقرار والسكينة التي عشتها مع زوجي، دون أي تفكير بالسفر، رحل كل شيء، وبقيت لوحدي، وأجمل سنوات عمري ذهبت وأنا أنتظر”.

تعيش ريم اليوم، حالة من الانتظار المقيت، وتتجدد خيبة أملها في كل يوم لا يأتيها الاتصال الذي يخبرها بصدور إقامة زوجها.

تقول :”أكره يوم الأحد، فهو عطلة رسمية في مؤسسات الحكومة ببريطانيا، أي أنني لن أتأمل في هذا اليوم وصول الإقامة، كما أفعل كل يوم!”.

حياة على قيد الانتظار

لا تستطيع نور، التخطيط لحياتها لأكثر من أسبوع، ويلازمها شعور أن حياتها “متجمدة” منذ سفر زوجها، الذي كان مفاجئاً دون سابق تحضير.

تقول: “لا أستطيع حتى اليوم استيعاب فكرة أنني انتظر منذ سنة و8 أشهر، وأن رمضان ثاني يمر وكل منا في بلد، ويرعبني التفكير في الوقت الذي سأنتظره قبل أن نلتقي من جديد!”.
تخشى نور التأمل بأي شيء، وبناء أحلامها كي لا يخيب أملها من جديد كما حدث في طلبات الفيزا السابقة التي رفضت.
“في كل مرة تسألني ابنتي “وين بابا؟” أحاول أن أتمالك نفسي، لأخبرها بأنه في العمل، سنلتقي قريباً..
وأنا لا أعرف حتى متى سيكون هذا القرب.

كلام الناس لا يرحم

مرت ريم بالعديد من اللحظات الصعبة، خلال فترة انتظارها لم الشمل لكن أصعبها، هو سؤال الناس المتكرر، والدائم في  كل مكان تذهب إليه، واقتراحاتهم “السخيفة” حسب تعبيرها.

تقول: “البعض يقول لي، دعيه يسافر لبلد ثاني، والبعض الآخر يستهزئ قائلاً، ليكون متزوج؟ وتأتي أخرى لتسأل كيف تستطيعين التحمل؟ اتركيه وعيشي حياتك”.

“لا يمكنك تخيل حالتي بعد كل تلك الاقتراحات والكلام الجارح، لدرجة أنني لم أعد أخرج كما كنت لأبتعد عن كلام الناس المزعج، والذي طالما كنت أعود للمنزل لأقضي ليلة بكاء من بعده!”.

التكنلوجيا ليست كافية

تعرفت ميس على خطيبها، المقيم في ألمانيا عبر الإنترنت، وارتبطوا عن بعد، شأنها بذلك شأن العديد من الحالات التي كان الإنترنت بالنسبة لهم الوسيلة الوحيدة المتاحة، لبناء علاقة قبل السفر واللقاء.

وهي اليوم تنتظر فيزا استقدام زوجة، لتجتمع بخطيبها للمرة الأولى.

تقول: “كل ما أتمناه هو ساعة واحدة أقضيها معه، أكتشف بها مشاعرنا بحقيقتها بعيداً عن عالم الإنترنت الذي لا يوصل كل شيء كما نشعر به حقاً”.
وتضيف: “ما يحز بالنفس أنني لم أخض فترة الخطبة على الواقع كبقية الفتيات، لكن لا خيار لنا”.
الاستمرار بصعوبة
رغم تأسيسها لصفحة على الإنترنت لبيع الإكسسوار في محاولة لإضاعة الوقت والاستمرار بالحياة بشكل طبيعي، إلا أن ريم، لا تستطيع نسيان الحالة  التي تعيشها منذ ثلاث سنوات.
“أريد أن أكمل تعليمي الذي اضطررت لتركه لتربية طفلي، ولدي الكثير من الأحلام، لكن الآن، في وضعي هذا، وبعيدة عن الاستقرار لا أستطيع التخطيط لشيء”.

وتقضي نور حياتها في تربية ابنتها، كأم وأب، تمارس الرياضة، وتلتقي بناس جدد، وتلقي بهمومها على صديقاتها اللواتي ينتظرن لم الشمل أيضاً من أزواجهن، منذ سنوات!.
تقول: “الحياة بشكل طبيعي في وضع غير طبيعي، من أكثر الأمور صعوبةً، وهذا ما نعيشه اليوم”.

تشير الإحصائيات الصادرة عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، عن تجاوز عدد اللاجئين الفارين من النزاع في سوريا، الخمسة ملايين، أي خمسة ملايين عائلة تشتت، في بقاع الأرض، وآلاف قصص الفراق والانتظار.

حين تكون حياتك معلقة بسبب ورقة، لا تعرف حتى من المسؤول عن قبولها أو رفضها، ويكون جواز سفرك الأضعف عالمياً، وتشعر بأنك إنسان نكرة في هذا العالم، مرفوض من قبل السفارات والدول فقط بسبب جنسيتك، فاعلم أن الحرية، حلمٌ بعيد، بعيد جداً.

اترك تعليقاً