قبل مدة ليست ببعيدة، لم تكن نظرة المجتمع السوري إلى الرقص ومن يمارسه تساعد على انتشاره، بين من ينظر إليه كتصرف أنثوي، وآخرون يعتبرونه “عيباً”، ظل الرقص حبيس بعض المدارس، والقاعات، يخرج الراقصون بين وقت وآخر على المسارح يؤدون عرضهم، ويبتعدون عن الأنظار.
“يبدو أن للحرب منافع”، تقول أروى، وهي طالبة جامعية تمارس الرقص منذ ثلاث سنوات، وتتابع “ساهمت الحرب على الرغم من قسوتها بتغيير بعض المفاهيم في المجتمع، فبين ركام الحرب ورائحة البارود، بدأ الإنسان يدرك أهمية الجمال، ويقدره”، وتضيف: “أظن أن الرقص واحد من التعابير السامية للجمال، امتزاج الموسيقى بالجسد يخلق لوحة فنية أقرب إلى الكمال”.
سامي نصير، واحد من أشهر مدرسي الرقص في اللاذقية وأقدمهم، تمكن خلال السنوات الماضية من إقامة مهرجان للرقص على أهم مسرح في المدينة. لا يجد نصير سبباً واحداً مباشراً لانتشار الرقص، إلا أنه وفي الوقت ذاته يؤكد “أن المجتمع تقبله، وأن مدارس تعليم الرقص تستقبل بشكل مستمر أشخاصاً من مختلف الأعمار يرغبون بتعلمه.”
يقول نصير لـ “شباك سوري”: “نستقبل في مدرستنا أشخاصاً من مختلف الأعمار، بين أطفال وشبان ومسنين”، ويتابع: “لدينا في المدرسة سيدة وزوجها في العقد السابع من عمرهما، جاؤوا يبحثون عن إيقاع جديد للحياة”. خلال حديثه، يشير نصير إلى أن وجود مدربين جيدين ساهم بدوره في انتشار الرقص، حيث استطاع المدرب أن يخلق جسر تواصل متين مع الراقص، كذلك اتسعت دائرة الراقصين في المجتمع، فلم يعد الأمر حكراً على الصالات”.
خلال السنوات الماضية، استقبلت المدرسة التي يدرس فيها سامي نصير مئات الشبان والشابات، نسبة كبيرة منهم من طلاب الجامعات، يقول نصير: “جذبهم الرقص، واتسعت الدائرة بشكل كبير، إلا أنه وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة بدأ عدد من الشبان والشابات بالتناقص تدريجياً، فمتطلبات الحياة أصبحت صعبة جداً”.
سعد، طالب جامعي، بدأ قبل نحو شهرين تعلم الرقص بدافع الفضول، يقول الشاب العشريني: “أحد أصدقائي يمارس الرقص منذ مدة طويلة، ساعدني في خطواتي الأولى”، ويتابع: “في البداية كنت أنظر إلى الرقص كنوع من أنواع الرياضة، إلا أنني ومع ممارسته بدأت أشعر به، لم يعد يقتصر الأمر على الخطوات وتناسقها، مع مرور الوقت يستطيع الانسان أن يشعر بالموسيقى، ويتماها معها”.
حياة شريتح، راقصة ومدربة رقص في اللاذقية، تنشر بين وقت وآخر تسجيلات مصورة لها خلال ممارسة الرقص على صفحتها على موقع “فيسبوك”. ترى خلال حديثها إلى “شباك سوري” أن وجود وقت ضائع بسبب عدم توفر فرص للعمل قد يعتبر سبباً لانتشاره، وتقول: “إيقاع الحياة البطيء والممل دفع قسماً من الشبان إلى البحث عن متنفس لهم، فوجدوا في الرقص ضالتهم”.
سمر، شابة من مدينة طرطوس، كانت قبل نحو أربع سنوات تسافر من مدينتها إلى اللاذقية لممارسة رقص الصالونات، تقول: “يحتوي هذا النوع من الرقص على حكاية، ليست مجرد خطوات فحسب، وتتابع: ” ساعدني الرقص على التعبير عن الكثير من مشاعري”، وتضيف: “كل إنسان أياً كان جنسه، يوجد بداخله قسم روحاني، أنثى تحركها الموسيقا”.
لا يوجد رقم واضح لعدد الشبان والشابات الذين يمارسون الرقص في اللاذقية، كما لا يمكن تحديد نسبة من يمارس الرقص من الشبان، إلا أنه بالتأكيد المجتمع تقبل الرقص، ونظرته له تغيرت بشكل كبير.
خلال السنوات الماضية ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وتحولها إلى جزء من حياة السوريين، قام عدد من الراقصين بنشر فيديوهات لرقصات يؤدونها في الشوارع العامة والساحات. انتشرت هذه الفيديوهات على نطاق واسع، وقد تكون واحدة من أسباب تغيير نظرة المجتمع للرقص، وترسيخه كفن راق.