الصف الأول الإعدادي في مدرسة الآباء العازريين 1961 بدمشق - savepics شباك سوري
article comment count is: 0

صور الأبيض والأسود.. شهود على الماضي!

قبل سنوات كان محمود العدوي، الصحفي وصانع الأفلام الوثائقية المصري الأصل؛ يتجول بالقرب من “سوق الحرامية” في دمشق. لفتت نظره حينذاك صورة قديمة، سأل البائع عن ثمنها، فأخبره أنه يبيع الإطار فقط، أما الصورة فيمكن له أن يرميها أو يحتفظ بها مجاناً. وفي مرة أخرى ذهب العدوي متقصّياً مصير بعض أقدم أستديوهات التصوير في دمشق. وأمام أحد الاستديوهات المغلقةح أخبره الجيران أن أرشيف «النيغاتيف» الخاص بالاستديو رُمي في القمامة استعداداً لتأجير المكان.

كانت تلك الحوادث مُقدمةً لمبادرة أطلقها محمود العدوي ومجموعة من أصدقائه، حملت اسم ( (savepic لحماية ما يسمونه بالذاكرة البصرية لسوريا، عن طريق جمع الصور القديمة، أو أشرطة النيغاتيف.

بخلاف المبادرات الكثيرة التي تهتم بتجميع صور التاريخ السوري وشخصياته السياسية، أو تلك التي ترصد تحولات جغرافيا دمشق؛ يُعنى ( (savepicsبتوثيق يوميات الأسر السورية، كرحلات القطار على خط الزبداني دمشق، وطقوس “السيران” ورحلات الكشافة. يقول السيد محمود: “لدينا مثلاً صورٌ لأناس ذهبوا في رحلات إلى تدمر، أو مدرج بصرى. ما يهمنا في الصور ليس توثيق الأوابد الأثرية، وإنما توثيق حياة ووجوه اناس وقفوا بجانب الأعمدة والمدرجات.”

يكشف المشروع الجديد إشكاليات تتعلق بعلاقة المجتمع مع الصور الفوتوغرافية، وموقفه من قضايا الخصوصية، وحقوق الملكية، والنظرة إلى التاريخ. فالصور القديمة تتحدى بشكلٍ أو آخر تصوراتنا عن «مثالية الماضي». يضيف محمود : “هناك اليوم من يرفض أن يرى جده طفلاً صغيراً حافي القدمين رث الملابس. فهو يريد أن يتخيله دوماً ببدلة رسمية وربطة عنق، ناظراً بوقار إلى الكاميرا”.

لا يكتفي ( (savepicsبجمع الصور، بل يعرض أيضاً إمكانية ترميمها. من جانبهم، يقول القائمون عليه بأنهم يتفهمون خصوصية الأفراد، لذلك يدافع المشروع عن حق الناس بالاحتفاظ بالصور الأصلية، ويكتفي بالحصول على نسخ لا يتم نشرها إلا بموافقة أصحابها. ونظراً لحساسية القضية، يشجع المتطوعون في المشروع  على فتح حوار مجتمعي حول أخلاقيات نشر وبيع وتداول الصور، ويطالبون بسن قوانين تنظم التعامل مع  صور الفوتوغراف القديمة باعتبارها إرثاً مجتمعياً ووطنياً.

في سوريا الكثير من المشاريع التي اهتمت بإنعاش الذاكرة الجمعية للشعب السوري، وتحديداً البصرية منها. أبرزها موقع  (Syrian history)، الذي يحوي في أرشيفه أكثر من 10,000 صورة فوتوغرافية، ووثائق، ومواد سمعية بصرية نادرة من سوريا، خلال الأعوام 1900-2000 . هناك أيضاً صفحات «دمشق بالأبيض والأسود»، و«المتحف الفوتوغرافي السوري»على الفيسبوك.

يعيدنا المشروع الجديد إلى التفكير بآلاف الصور والوثائق التي احترقت خلال الحرب السورية، فيما دفنت أخرى تحت ركام البيوت المُهدمة. هناك جدة عجوز اختارت طواعيةً إتلاف أرشيف صورها كاملاً لأنها لم ترد أن يهمله أحفادها أو يبعثروه بعد موتها. وفي حلب أخفت شابة صور عائلتها في خشب خزانتها كي لا تصل إليه أيدي مقاتلي داعش إن هم اقتحموا منزلها، وشاهدوا صورة جدها يعزف على الكمان، أو صورة جدتها تسترخي بثياب السباحة على كرسيٍ أمام البحر. تلك أمثلة توضح كيف يمكن للحاضر أحياناً أن يشعر بالتهديد من الماضي، حتى وإن كان حبيس إطارٍ في صورة.

يذكرنا النقاش حول خصوصية الصور وحقوق ملكيتها بالجدل الذي يشتعل إبان النشر العلني للمراسلات والمذكرات. حساسية الموضوع تكشف نوعاً من الوصاية التي يمارسها أبناء الحاضر على الماضي، حينما يقررون ما يجب أن يبقى وما يجب أن يندثر.

لكن على المقلب الآخر، هناك من يتوق لفتح الخزائن المغلقة كي يرى صورة جدة تتسلق شجرة توت، جنباً إلى جنب مع صور لساحة المرجة إبان بنائها. فالتاريخ في نهاية المطاف هو كل تلك الصور مجتمعة؛ صورة الساحة والجدة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً