الضغوط اليومية تحولنا لأشخاص عنيفين عن غير قصد- شباك سوري
article comment count is: 0

عن تراكمات الظروف وتواصلنا “اللا” “عنيف”

تستقيظ صباحاً مضطراً لقضاء واجباتك اليومية، تطأ قدمك الشارع فتجد غضباً عارماً يجتاح المارّون تارةً، ويسيطر عليك تارةً أخرى، حتى تجد نفسك غير قادرٍ على تحمّل أبسط التفاصيل. لماذا بات الضغط يستهلكنا بهذا الشكل وما هي خلفيات المشاكل التي صرنا نخوضها حتى تأثرا علاقاتنا وردود أفعالنا؟

إذا أردنا أن ننجح في تكوين تواصل لا-عنيف مع المحيط، علينا أن ندرك أولاً ركائز تحقيقه: من ملاحظة ومشاعر وحاجات وطلب، كما يصف الأخصائي النفسي سليمان كاسوحة. وفي طبيعة حياتنا الحالية والظروف التي تحيط بنا، نلقى أنفسنا في كثير من الأحيان أمامَ حاجاتنا التي صارت صعبةَ التلبية، بدءاً من الطعام وصولاً إلى الأمان وتقدير الذات.

يخبرنا الشاب عمر فرفوطي من حلب، عن معاناته مع درجات الحرارة صيفاً شتاءً في ظل انقطاع الكهرباء، إذا صار مرغماً على ارتياد الكافيتيريات ليتمكّن من إنجاز عمله، في حين يواجه إثر ذلك عواقب صعوبة إيجاد وسائل مواصلات. يقول عمر: ” إذا بدي أشتغل بدي أنزل ع محل فيه كهربا، وما في بنزين. خصوصاً إنو شغلي عن بعد.”

يعي عمر أن لهذا التفصيل أثراً كبيراً على طريقة تعامله اللا عنفية مع الآخرين، إذ يضيف: “هاد الشي عم يخلّيني ما أقدر أنجز شغلي، ولا أقدر أتعامل مع الآخرين بلطف. يمكن السبب إنو أساسيات الحياة صار كتير صعبة!”.

وعن صِغر التفاصيل التي لها أن تؤثر سلبياً بشكل غير مباشر على حياتنا، يخبرنا علي عبد اللطيف، زميلنا أيضاً في شباك سوري، عن معاناته مع أبسط المقومات؛ الماء: “أنا عم صوم عن المي طول اليوم لتجي الكهربا وتبرد المي لأقدر أشرب مي باردة”. رغم بساطة الموضوع نظرياً، تتفاقم تبعاته حتى تجعل من الإنسان عاجزاً عن القيام بمهامه اليومية التي تكون أساساً أكثر صعوبة بسبب كل الظروف. يقول علي: “أنا طالب جامعة وعندي شغل ومضطر أنطر الكهربا أصلاً لحتى أشتغل. ولكن أنا بحس بالانهاك وقت ما لاقي مي باردة وكب نص الأكل لأن البراد ما عم يشتغل. ومضطر أطبخ كل يوم بيومه.” وتغدو هذه التفاصيل سبباً أساسياً في صعوبة تعاملنا مع المحيط، إذ يضيف علي: “هالشي بينعكس على تعاملي مع الآخرين. رفيقي قلّي: يبدو الضغط مأثر على نفسيتك حتى عم تنفعل بعنف”.

وعن تبعات الظروف والحلول، تصف علا الأشقر، طالبة طب بشري في السنة السادسة، معاناتها مع الكهرباء وتبعات ذلك على كل جوانب حياتها “ما فيني أدرس الصبح من الشوب. يومي كلو صار مقلوب. مضطرة أضل فايقة عم بدرس لل٦ الصبح ولمّا بجّي أنام ما بقدر.” ولا تتوقف المعاناة على الظروف، بل تتعدّاها في كثيرٍ من الأحيان ليصبح إدراكنا لها وتأثيرها على نفسيتنا وسلوكنا جزءاً أساسياً من الألم المرتبط بالحلول، إذ تضيف علا: “كمية الأدوية يلي صرت آخدها من منبهات ومضادات اكتئاب لحتى أقدر أتأقلم، كتير كبيرة. وكلها بدون جدوى طالما جهازنا العصبي بيطغي عليه التوتر والاكتئاب.”

تسرد الشابّة پاولا طويل، طالبة الكيمياء في حلب، رحلتها اليومية مع مشوارها إلى الجامعة: “للجامعة بدي ١٥ دقيقة سرفيس، أو ٤٠ دقيقة باص، و١٠ دقايق مشي من بيتي لمكان الموقف، ومضطرة أنتظر الباص من نصف ساعة لساعة. المحاضرة الساعة ٨، يعني محتاجة أنزل من البيت قبل ساعة، وبالتالي مضطرة أفيق الساعة ٥ الصبح لألحق دوامي.”. إذ صارت واجباتنا تفرض علينا عقبات إضافية تتراكم حتى تصبح غير قابلة للتحمّل، مسهمةً بحضّ تواصلنا العنفي، في وقتٍ يتعرّض فيه الجميع لهذه الظروف وتأثيراتها النفسية على التواصل مع الآخرين، فتضيف پاولا: “كل الناس متلي. لمّا حدا يعيط بوجهي ما بقدر أقول شي لأنو عم يعاني متلي. بنزل مع رفقاتي ومنفش خلقنا ببعض، وصلنا لمرحلة ما عاد ننزل من البيت لأن كل أحاديثنا عن المعاناة. صار الشي يلي مفروض يكون مريح إلي هو هم إضافي عليي.”

نواجه يومياً الكثير من السلوكيات الغاضبة والمشاكل غير المفهومة مع الآخرين، ونادراً ما ندرك أن السبب الأساسي خلف المشكلة هو مشاعرنا الناجمة عن تفاصيل تعيق حياتنا بشكل روتيني، كانقطاع الكهرباء والنفط ودرجات الحرارة ووسائل المواصلات، دون أن نعي أن اعتيادنا عليها لا يخفف من آثارها السلبية على حياتنا.

فتجعلنا، في كثير من الأحيان، أقلّ قدرة على التواصل اللا عنيف مع الآخرين، وتتركنا نلوم أنفسنا بعدها على تغيّر مشاعرنا وسلوكياتنا العنيفة.

ويبقى من الجيّد بعد تراكم كل هذه التفاصيل، أننا لا نزال نملك القدرة على الوعي بضرر هذه السلوكيات علينا وعلى الآخرين، عسانا نقلّل من جلد ذواتنا نفسياً ونستمر في فهم الأسباب -غير المُستهان بها- في محاولاتنا المستمرة لتحقيق جزء من السلام الداخلي عبر التواصل اللا-عنيف.

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً