عن علاقتنا مع أدوية الاكتئاب- شباك سوري
article comment count is: 0

بعد انتهاء صداقتي مع “الزولوسير” و”الليكسوتان” .. أخاف من البقاء وحيداً

يقول المؤلف والكاتب الأميركي “ويليام بوروز” في وصفه للمرضى النفسيين أنهم “البشر الذين فهموا تماماً ما يجري من حولهم”. وبإسقاط البعد الفلسفي لهذا التوصيف، يمكن ملاحظة أن هنالك أعدادًا متزايدة من السوريين يعانون من اضطراباتٍ نفسية كالاكتئاب والقلق مثلًا، نشأت أغلبها بعد الحرب التي دارت في البلاد، فهل أصبح معظمنا “يفهم تماماً ما يجري من حوله”؟

المشكلة الحقيقية هنا ليست بمقدار الفهم الذي امتلكه من مرِض أو اضطرب نفسياً، بل المشكلة تأتي بعد هذا الفهم، والقدرة على مواجهة الحياة بشكل جديد ونظرة مختلفة، فمن رغب بالعودة إلى ما قبل المرض يتوجب عليه أن يخضع لعلاج نفسي تختلف مدته وجرعاته وطبيعته بين حالة وأخرى، وربما لن يتقبل فكرة العودة إلى فترة ما قبل “الفهم” أساساً لمجموعة أسباب .

“ندى” واحدة من اللواتي كشفت لهن الدنيا “حقيقتها ومكنتها من فهم ما يجري بشكل مختلف” بعد أن غادرت منزلها في مدينة “سلمية” لتكمل تعليمها الجامعي في اللاذقية، لتبدأ تجربتها مع “الاكتئاب” منذ ثلاث سنوات تقريبًا، خاضت خلالها “أصعب” مراحل حياتها، بحسب تعبيرها.

“الوحدة” والعزلة” رافقت الشابة العشرينية لفترة كانت كافية لتثير انتباه أهلها ومن تبقى لها من أصدقاء بعد أن قطعت تواصلها بمعظمهم يومًأ بعد يوم، لكن “النصيحة والدعم” ممن تبقوا قادوها باتجاه العلاج النفسي. لكن عملية “إعادة الإحياء” تلك لم تكن بهذه السهولة، فالخوف من إعادة بناء العلاقات والخوض بها كان عنواناً عريضاً لتلك المرحلة، بعد أن كان “الزولوسير” يدفع بـ “ندى” لأبعد درجات الثقة والطاقة لعدة أشهر، فعند تخفيض الجرعات الدوائية أو إيقافها يكاد الوضع يعود لما كان عليه.

الخبرة الطبية وما يرافقها من ظروف وبيئة تحيط بالمريض، تشكل عواملًا أساسية في عملية الشفاء، التي استطاعت “ندى” الوصول إليها بعد أن فشلت و”انتكست” عدة مرات، معتبرةً أن “الدواء النفسي هو صديقها الوفي الوحيد والداعم بكل الأوقات”، قبل أن تكتشف أنها تستطيع أن تكون صديقة نفسها دون أي دواء بعد أن سافرت إلى لبنان لمدة شهر ونسيت وصفتها الطبية في المنزل، وأمضت هذه الفترة دون أن تحتاج للجرعات “المخففة” أساساً بنصيحة الطبيب.

قد تكون قصة “ندى” انتهت بالشفاء وكأن شيئاً لم يحدث، لكن ما يزال هناك الكثيرون ممن يعانون صراعاً حقيقياً مع مرضهم النفسي ويتوقون للشفاء منه، أعددهم ليست بقليلة وهم من مناطق مختلفة ومن مستويات تعليمية متفاوتة، يزورون عيادات أطبائهم بشكل دوري كما الصيدليات، منهم من يرغبون بأن تكون علاقتهم بالأدوية “عابرة” وآخرون يتمنون استمرارها طيلة حياتهم.

لا مشكلة باستمرار هذه الصداقة

يخاف بعض الأشخاص من تناول الأدوية النفسية بسبب ثقافة غير مكتملة أو معرفة حقيقية بآثارها ويربطوها بالإدمان مما يجعل تقبل فكرة العلاج صعبة عند البعض، لكن العلاج الدوائي هام جداً وأساسي في عملية الاستشفاء النفسي، وفق ما أكده الطبيب النفسي “يوسف فاعور”، وتختلف آلية إعطاء الدواء وجرعاته ومدته وفق نوع الاضطراب وعوامله المسببة (بيولوجية، نفسية، اجتماعية) كلاً على حدا أو بشكل مترابط.

كلام الطبيب “فاعور” ينطبق على الشاب “مهند” صاحب الـ 28 عاماً، والذي يعاني من “القلق”، وهو حالة نفسية وفيزيولوجية تتركب من تظافر عناصر إدراكية وجسدية وسلوكية. لخلق شعور غير سار يرتبط عادة بعدم الارتياح والخوف أو التردد، كل تلك العوارض تختفي عند التزامه بالعلاج الذي لم يستطع أن يوقفه حتى الآن.

المثير، أن “مهند” يعتمد على الدواء منذ أكثر من سنتين بشكل شبه كامل، وهو ما يعتبره الطبيب “فاعور” أمراً طبيعياً موضحاً أن الأدوية النفسية أثبتت فعاليتها وتعتبر أدوية آمنة وغير مسببة للإدمان بمعظمها، كما أنها ليست مجرد مهدئات وإنما تعالج الحالة والأعراض النفسية عضوية المنشأ.

في بعض الحالات يعاني المريض من “انتكاس” مرضي يعود سببه في الكثير من الأحيان لتخلي المصاب عن علاجه المحدد بفترة زمنية وجرعات معينة بعد شعوره بالتحسن إثر العلاج الدوائي، وتختلف نسب الشفاء والانتكاس حسب عمر الشخص وجنسه ومدى الدعم الاجتماعي الذي يتلقاه وغيرها من العوامل، كما أن عملية إيقاف الدواء دون إشراف الطبيب المختص وحدوث الانتكاس، قد يطيل الفترة المحددة للعلاج.

ربما تكون الغاية من العلاج النفسي عن طريق الأدوية هي تحسين نوعية حياة المريض، وهو ما لا يجد فيه الطب النفسي أية مشكلة حتى ولو استمر العلاج الدوائي طيلة حياة المريض بالإضافة للعلاج النفسي الهام في الكثر من الأحيان، خاصة لأولئك الذين يخافون من البقاء “وحيدين” بعد انتهاء “صداقتهم” مع أدويتهم والعودة لما كانوا عليه.

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً