عن انتشار القولون العصبي لدى الشباب السوري- شباك سوري
article comment count is: 0

القولون العصبي .. طريق أفكارنا وآلامنا من الدماغ إلى الأمعاء

“أرقٌ طوال الليل، ووخزٌ يكاد يخترق الأضلاع وصولًا للقلب، ألم في البطن وضيق تنفس، أيعقل أن يخذلني جسدي الذي أمضيت سنوات بتدريبه في الصالة الرياضية؟ هل من المعقول أن أموت بعمر 27 عاماً إثر “جلطة” قلبية بتلك البساطة؟”

هي الأسئلة والأفكار التي راودت الشاب “كرم” خلال ليلة “لن ينساها طوال حياته” حسب وصفه، قبل أن يخبره طبيب القلبية في صباح اليوم التالي أن ما حدث معه بعيدٌ كل البعد عن أمراض القلب، ويحوله لطبيب داخلية مطمئناً إياه أن قلبه يعمل بشكل سليم .

“ما يأكل تفكيرك يأكل أحشاءك” هي أول جملة نطقها الطبيب بعد إجراء بعض الفحوصات اللازمة، وسماعه للأعراض التي تصيب “كرم”، ومعرفته أنه تعرض لضغوط نفسية جمة خلال الفترة الماضية.

على ما يبدو أن هموم الحياة ومتطلباتها أثقل من أن تتحملها “المقومات النفسية” للشاب كرم، حاله حال الكثير من الشباب السوري الذي يكابد عناء “تأمين المستقبل”، فتردي الأحوال الاقتصادية وغلاء تكاليف المعيشة وقلة فرص العمل بالاختصاص الجامعي أو المهني والضغوط الاجتماعية وغيرها من الأسباب التي تحدث عنها لـ”شباك سوري”، كانت كفيلة بتحضير “أحشائه” لاستقبال “متلازمة الأمعاء الهيوجة” في توصيفها الطبي، و”القولون العصبي” كما هو متداول شعبيًا.

من أبرز أسباب حدوث هذه “المتلازمة”، وفق وصف الطبيب “أيهم رحمة” هي الضغوط النفسية التي يتعرض لها الشخص، ويختلف تأثيرها من جسد لآخر، وقد تخرج أعراضها بأشكال مختلفة، كـ”النفخة وألم البطن وضيق التنفس وعدم الارتياح المعوي، بين الإمساك والإسهال الذي قد يستمر لفترة طويلة وبشكل متناوب”.

الأمر لا يقف هنا، بل يتطور أحياناً لمراحل أخرى، يلجأ فيها الطبيب لتحويل مريضه لطبيب نفسي مختص، بعد فشل المحاولات العلاجية عبر الأدوية التي توصف للمرضى، وحتى إن كانوا ملتزمين بالحمية الغذائية التي ينصحهم بها (الابتعاد عن الألياف والمعجنات والبهارات والمشروبات الكحولية ..).

أعداد المصابين بهذه المتلازمة تزايدت خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، وفق تقاطع مجموعة من التصريحات لأطباء تواصل معهم “شباك سوري”. المثير أن أغلب المصابين هم من فئة “الشباب” وتحديداً دون سن الـ35 عاماً، مما ينذر بخطورة حجم الأعباء النفسية التي يعاصرها أغلبهم .

لهذه المتلازمة ارتباطات عاطفية أيضاً، فمثلاً “ريم” (23 عاماً) أصيبت بمرض القولون العصبي، بعد أشهر من فسخها لخطوبتها، وسفر الشاب الذي تحبه إلى ألمانيا بحثاً عن فرصة عمل وحياة أفضل بدونها، أما “نجيب” فأتاه المرض بعد استنفاذه للفرص الدراسية في جامعته ووفاة والدته مؤخراً.

بضع حالات التقى بها “شباك سوري”، وكان لكل شخص منهم أسبابه المختلفة التي سبقت “تجربته” مع هذا المرض، وفي أغلب الحالات وصف المرضى أن “حياتهم بعد متلازمة الأمعاء الهيوجة اختلفت عما كانت عليه قبلها”، فربما كلمة صغيرة مزعجة أو موقف بسيط محرج، أصبح ينعكس عليهم جسدياً وفي أحشائهم تحديداً.

الصيدلانية “آلاء جعفر” أكدت أن “أعداد المصابين بهذا المرض تزايدت بعد الظروف الأمنية التي حدثت ضمن البلاد، لكن الزيادة الحقيقة والملحوظة كانت مع ظهور كورونا وانعكاساتها النفسية التي أصابت الآلاف من الأشخاص بسبب إجراءات الحظر، والخوف على الأهل وتفاقم الانهيار الاقتصادي”.

قوة الجسد والغذاء الصحي وحتى العمر الفتي لا تفيد أصحاب هذا المرض كونه يختلف عن تهيج “القولون” العادي ذو الأسباب العضوية، فوفقاً للصيدلانية “آلاء” تم تسجيل أعداد كبيرة من المصابين ممن هم تحت عمر ال 20 عاماً، بل كانوا أكثر تأثراً من غيرهم بسبب حجم “العاطفة” التي يمتلكونها وهم في طور البناء النفسي والنضج.

تخيل أن موقفاً واحداً أو بعضاً من الضغوط النفسية قد يفجر بداخلك متلازمة (القولون العصبي) التي سترافقك أعراضها طيلة حياتك، تظهر وتختفي وفقاً لحالتك النفسية أو طبيعة غذائك، فكم يجب أن نكون محصنين نفسياً لنمنع أفكارنا من أن تأكل أحشاءنا؟

 

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً