غرافيك لأشخاص يستقلون المواصلات العامة- شباك سوري
article comment count is: 0

قصص نعيشها يومياً في “النقل الداخلي”

يجبرك الوقت الطويل الذي تقضيه في الشارع، بانتظار المواصلات، على مراقبة تصرفات الناس، فترى كل أنواع الركاب: العدّاء المساير، غير الآبه بشيء، و”المطاحش”، تصل لفكرة مثيرة للسخرية أن كل هذه الصفات تظهر على نفس الشخص بقامته في موقف السرفيس، ولكن رغم صعوبة التحديات يظهر أشخاص يذكروننا دوماً بالمثل الشعبي “إن خليت خربت”، لتتجلى مواقف إنسانية بين غرباء يجمعهم شكل من أشكال المعاناة هنا وهي: “بالزّور لقت ركب”.

ركبني أي سرفيس وانساني

مراسم الاحتشاد تراها تغزو المواقف الرسمية في العاصمة دمشق أمثال شارع الثورة والبرامكة، جماعات من الطلاب والموظفين وآخرين ينتظرون أن يلوح من بعيد سرفيس أبيض اللون معلناً بذلك بدء المرثون، يفوز بالمقعد طبعاً أسرع الحاضرين، والذي “زمط” من بين الجموع.

مشهد تعيشه راما يومياً وهي خريجة جامعية، وتعمل بمكتب إدخال البيانات، حيث ذات مرة حظيت بمقعد عند الباب، وبعد خيبة أمل الناس الذين لم يجدوا مكان لهم حتى على الطرف؛ جاءت سيدة سبعينية تحمل بيدها عصاً وأكياس خضرة، وقفت عند الباب بانتظار مساعدتها لتركب، لم يحرك أحد ساكناً، تقول راما: “تدافع بفكري مئات السيناريوهات، وقلت في نفسي أنا صبية بدبر حالي بس هي “خطي ما معها حدا يعينها”، فأجلستها مكاني وسط نظرات دهشة عمت السرفيس”. تضيف الشابة العشرينية: “سعيدة بما صنعت، شعور رافقني مع بدء مغامرة جديدة في البحث عن مكان شاغر آخر”.

مركوب الشعب أسود.. أخضر أو رمادي

حسن طالب جامعي يسكن في الزاهرة، يستقل حافلتين للوصول إلى جامعته في المزة بدمشق، عدا عن الكيلومترات التي يمشيها بحثاً عنه، وكثيراً ما يبقى متعلقاً على الباب، يقول ضاحكاً: “المهم الوجهة بغض النظر عن الكيفية”. أثناء الطريق يعمل “بوّاب”، فيساعد كبار السن بالصعود والنزول، أو حمل عربات الأطفال لأمهاتهم، يضيف: “ألقى امتعاض الركاب الآخرين بأني أُشغل بغيري”، يعرب عن رضاه بقوله: “هيك تربيت”.

مشهد آخر يرويه جورج موظف ثلاثيني، بأنه ذات يوم في باص ركن الدين-زاهرة، صعدت سيدة أربعينية تبدو على وجهها علامات التعب، ركبت الباص ونسيت حقيبتها على السيارة التي كانت تتكئ عليها، هبط بسرعة من الباب الخلفي والتقط الحقيبة وأعطاها للسيدة، التي حتى لم تنتبه بأنها نسيتها، يقول: “الله يعين العالم طحنهم الهم”.

سيارات خاصة

في مدينة النبك شمال العاصمة دمشق وعلى الحدود مع لبنان، ظهرت مبادرة “على طريقك” منذ ما يقارب الأربع سنوات، لتخفيف أعباء المواصلات على الناس، يخبرنا الأستاذ شعيب حاج حسين أحد العاملين في هذه المبادرة: “صاحب السيارة الذي لديه رحلة دائمة إلى لشام يأخذ بطريقه الناس أمثاله، ويتقاسمون تكلفة الوقود وأغلبهم موظفون أو طلاب، ويدفع كل شخص ما يقاربـ10 أو15ألف ليرة سورية، في حين تكلفة الشخص لوحده ما يقارب الـ70 ألفاً، وبذلك يكون الحمل على الجماعة خفيفاً”.

تحدثنا رشا وهي طالبة جامعية تسكن مدينة التل بريف دمشق عن معاناتها مع شح المواصلات في مكان سكنها، فهي تحسب مليون حساب عندنا تقصد العاصمة، وكيف ستعود للمنزل.

مرةً من المرات ومع اشتداد أزمة المواصلات حد الانعدام، وصلت بشق الأنفس لموقف التل في مساكن برزة، وأيقنت بأنها ستذهب للتل مشياً على الأقدام حسب قولها، فوجدت سيارة خاصة من نوع كيا يقودها رجل ستيني يقف بجوارها، ويقول لها: “أختي أنت رايحة عالتل؟ اومأت له بأن نعم، فأركبها معه ومن وجد في طريقه من أشخاص، ولم يأخذ منهم أي مال، وما كان منهم إلا أن دعوا الله له بأن يجزيه الخير”.

مواقف صغيرة مثل هذه لأشخاص تجلت فيهم معاني الإنسانية، أكسبت حياة الناس الذين ألتقوا بهم طعماً آخر، حتى الذين رمقوهم بنظرات حادة لا بدَّ من أنها أحدثت تغييراً ولو قليلاً بطريقة تفكيرهم، وأخذهم زمام المبادرة بمساعدة الآخرين، فهي فطرة تحتاج للتفعيل ليصبح الواقع الذي نعيشه صالحاً للسكن.

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً