عن الكلفة العالية للعلاج النفسي في سوريا- www.shebbaksouri.com
article comment count is: 0

علاج نفسي! ليس الآن لم ننته بعد من الصدمات

“عشرين ألف ليرة عالجلسة الواحدة” أجابني أحد أطباء العلاج النفسي في دمشق عند سؤالي عن السعر، وللعلاج الأمثل أحتاج جلسة أسبوعياً، أي مايعادل 80 ألف ليرة سورية شهرياً، حينها قلت لنفسي المتعبة: “غيري ماعم يلاقي أكل وأنا بدي روح أتعالج نفسياً”.

في هذه البقعة الجغرافية أن تمارس الرياضة مثلاً في أحد نوادي العاصمة أو أي مدينة أخرى “رفاهية” وتشعر بالذنب، وتضع لها كل المبررات حتى الضمير يصمت قليلاً، ترهات ترافقني عند التفكير بفعل أي نشاط لا يحمل معالم جزر المالديف أو الكناري، أو “القريدس حيوان بحري يأتي لونه أحمر يمكن البحث عنه على غوغل” مغطى بصوص لم تتذوقه من قبل” في مطعم تطغى عليه كلمات من شدة مثاليتها لم أعد أتذكرها بسبب نكرانها في داخلي وعدم الاعتراف بوجودها في بلادي، صادفتها في أحد ستوريات “إنفلونسرة سورية”*. “إنفلونسر سوري أي مؤثر سوري لديه عدد كبير من المتابعين يجرب مطاعم ومتاجر ملابس ومجوهرات ومستحضرات تجميل كنوع من الدعاية، أتمنى لو رأيت أحدهم يروج لطبيب نفسي”.

“الدفع بطريقة أخرى من أجل العلاج..  عبء آخر”

تقول طالبة الإخراج السينمائي ز.خ: “رحلة العلاج النفسي طويلة وتتطلب استمرارية، وعند توقفها لسبب ما؛ قد تتعظم المشكلة لدى المريض، وهو ما حصل معي، بسبب عدم ثبات مدخولي الشهري؛ لم أستطع المواظبة على العلاج”.

الطالبة العشرينية أخبرتني عن قصة علاج بدأتها مع معالجة نفسية طلبت منها رسم لوحة مقابل كل جلسة كحل مؤقت لعدم امتلاك المال الكافي، مع الاتفاق على سداده لاحقاً، تضيف: “كثرت الجلسات التي لم أدفع مقابلها، ليشكل هذا الأمر عبئاً إضافياً، وضغطاً نفسياً من نوع آخر لإجباري على الرسم، بالإضافة إلى التراكم المادي، لذا دفعت لها لاحقاً، وتوقفت لعدم قدرتي على الاستمرار وزيادة مستوى القلق، لأعود مجدداً إلى حلقة التعب بشكل مختلف”.

“العقلاء أقلية”

يقول الصحفي م.م: “برأيي ربما أحد أسباب عدم الاتجاه للعلاج؛ أننا ما زلنا في طور تلقي الصدمات، لم نصل بعد إلى (اضطراب مابعد الصدمة)، أي عدم الإدراك أننا مريضون، بتنا جميعاً مجانين، لم نعد نلحظ اختلاف بعض الأشخاص الذين كنا نراهم قبل الحرب، اليوم نحن متساوون أي (مجتمع مجنون يحوي بعض العقلاء الغرباء)، ذلك قد يخفف من وطأة اتخاذ قرار العلاج وتبعاته المادية، بالإضافة إلى عدم وجود أطباء أو أخصائيين كفؤ يمكن استشارتهم تبعاً لتجربتي، ضف عليها الخلط بين مفهوم الطبيب والمعالج أو الأخصائي النفسي ودعم الإدراك الكافي لضرورة التمييز بينهما”.

هل يعتبر العلاج النفسي في سوريا رفاهية؟

تجيبنا على هذا السؤال المعالجة النفسية خلود هنيدي: “لطالما كان العلاج النفسي ضرورة سواء في سوريا أو غيرها من البلدان، تأخذ الحاجة في الأماكن التي تعيش النزاعات والحروب والأزمات الاقتصادية عموماً (سوريا نموذجاً) شكلاً نوعياً، اذ أنها تتجاوز حدود الحاجة للبوح إلى حاجات أكثر صعوبة مثل مواجهة الأزمات، التعامل مع الفقد بأشكاله المختلفة (فقد الأحبة،البيوت، مصادر الرزق، الشعور بالأمان وغيرها)، الحداد على من رحلوا وقلق المستقبل، الفقر. كل هذه القضايا وغيرها كثير تجعل من العلاج النفسي ضرورة  وبالطبع ليس ترفاً”.

وكونه ليس ترفاً، إلا أن الآجور التي يطلبها بعض الأطباء تكون غير معقولة بالنسبة للبعض، تعادل نصف الراتب أحياناً، تعلق المعالجة: “أود بداية القول بأني لست طبيبة، ومن الأنسب أن يتحدث عن هذا الموضوع، لكن من موقعي كمعالجة نفسية أجد بأن لا علاج بالمجان حكماً، وهذا من أحد أبرز ما يدفع سيرورة العلاج النفسي للأمام، فالشخص قد يستهتر بما يحصل عليه بسهولة ودون أن يقدم شيئاً بالمقابل. لا بد من دفع المراجع للعيادات والمراكز النفسية مبلغاً يقتطعه من دخله أو من مصروفه الشخصي بحيث يشعر بأنه ملتزم بذلك دون سهولة تجعل الأمر يبدو هزلياً، وفي الوقت نفسه ليس مبلغاً ضاغطاً جداً أو مسبباً للضيق المادي”.

هل دخلنا في طور اضطراب ما بعد الصدمة؟ أم ما زلنا في الصدمات؟

“هنالك رأي للتحليل النفسي يقول بأن الصدمة التي نعيشها هي تكرار لأخرى أقدم عهداً بكثير عشناها أثناء طفولتنا لكنها استترت وكبتت في اللاوعي”، تقول المعالجة خلود، مضيفة: “الصدمة الحالية أعادت أو أيقظت المكبوت، وبناء على هذا الرأي يمكنني القول أننا كنا وما زلنا أمام صدماتٍ متكررة تجعلنا في كل مرة نعاني أعراض اضطراب ما بعد صدمة سابقة، ونستعد لمواجهة التالية”.

*أهدي هذه المادة إلى عائلتي، أصدقائي، زملائي في العمل، الجيران، المارة في الشارع، مجنون ليلى، الشرطي يونس، و”يلي بضيعتو ما اندفن”.

 

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً