عن نظرة البعض للإنجابية في سوريا- شباك سوري
article comment count is: 0

اللاإنجابية.. ضيف جديد من معازيم الحرب

اللاإنجابية (Childlessness) هي الامتناع الإرادي عن إنجاب الأطفال سواء بشكل مؤقت أو دائم حسب تعريف معجم إكسفورد.

تمت ملاحظة هذا السلوك الاجتماعي لأول مرة في التاريخ الحديث في مرحلة الكساد الكبير الذي حلَّ بأوروبا وغيرها من البلدان قُبيلَ اندلاع الحرب العالمية الثانية، إذ تقول المراجع إن نسبةً من الأزواجK قُدِرت بـ 8% من عموم المجتمعات الأوربية والأميركية، قررت التوقف عن إنجاب مواليدَ جدد خوفاً من المصير المنتظر بعد تلك الكارثةٍ الاقتصاديةٍ التي طالت كل الناس حينها.

إذن؛ فالحروب والنزاعات هي السبب الرئيس للامتناع عن الإنجاب، وهذا ما تعايشه المنطقة العربية – وتحديداً سوريا – منذ ما يقارب عشر سنوات، ما أدى إلى انعدام الرغبة بالإنجاب لدى بعض الأزواج.

يقول آصف (35 سنة، أعزب): “أنا شخصياً ضد فكرة الإنجاب – وهذا رأيٌ لا أفرضه على أحدٍ بالطبع- إلا أننا مللنا من إنجاب ضحايا الحروب والمخطوفين والنازحين و”الفدائيين”؛ هذا فيما يخص مرحلة الحرب، أما قبل ذلك فتاريخ المنطقة الحديث يؤكد لك أنك عاجز عن تربية دجاجتين ونعجة فيها، فما بالك بتكوين أسرة..!!

إن الأمان هو الحاجة الأولى في هرم ماسلو، وهو بالطبع ليس أن “ترجع أختي الساعة 3 بالليل وما حدا يحكي معها شي”، الأمان مفهوم يصعب على جيلنا وعلى الأجيال السابقة واللاحقة – في المدى المنظور- أن يدركوا معناه الحقيقي”.

إلا أن علي (طبيب أمراض القلب) كان له رأي مغاير؛ يقول: “أرى أنه من الأفضل تحديد النسل، ففكرة وجود الطفل مغريةٌ ومخيفةٌ في آن معاً”.

يتابع علي: “يكمنُ الإغراء في أن الإنسان بطبيعته يبحث عن معنىً لوجوده من خلال شيءٍ ما، وأسهل طريقة على الناس – باختلاف مستوياتهم الفكرية والعملية – هو خلق كينونةٍ معتمدةٍ عليكَ بشكل كلي، كينونةً تعطيك قيمةً وأهميةً ما في هذه الحياة، فأصعب ما تعانيه النفس البشرية هو افتقادها للتقدير، والطفل هو المانح الأول لهذه القيمة النفيسة.

أما الجانب المخيف في موضوع الإنجاب فهو استحالة التراجع عن هذه الخطوة، لأن وجود الأطفال يرتبُ عليكَ التزامات اجتماعية ومالية وأخلاقية أبدية، التزاماتٌ لا تعترف بحرب ولا بكارثة ولا بأزمة اقتصادية، وهذا ما يخيف الكثيرين من الأزواج الطامحين لتحقيق إنجازات في حياتهم، فتراهم ينفرون من فكرة إنجاب الأطفال في مرحلة الشباب، لأن الطفل في هذه الحالة سيكون عبارة عن فرامل لأحلامهم، ونسبة منهم يعتادون على هذا الحال، فيتخلوّنَ بشكل كلي عن الإنجاب. فالطموح بالذات أصبح الأقوى اليوم، والمغريات على الصعيد الشخصي أكبر، وهذا ما أفقد النفس البشرية حالة الاستقرار، فغدت فكرة الإنجاب غير ملفتةٍ لأنها تتطلب استقرارً نفسياً لا يتمتع به الجميع.

أما النسبة العظمى من الناس فترى الموضوع من وجهة نظر براغماتية؛ فتسعى لحقيق طموحاتها بأبنائها، ومن ناحية أخرى تخشى أن تبلغَ أرذل العمر وحيدةً؛ فلا بد للإنسان من أن يهرم ويحتاج للمساعدة، ومن سوى ابنك أو ابنتك سيتحمل ضعفك ومرضك وتقلب مزاجك؟”.

وحتى لا نكون مجرد ناقلين لآراء الناس، كان لا بد من رأيٍ للعلم والتاريخ في موضوعنا، لذا التقينا الأستاذة هدى وراق؛ المتخصصة في علم الاجتماع، إذ تقول: “إن اعتبرنا أن عدم الإنجاب هو نجاةٌ من مفاجآت المجهول تجاه الأبناء؛ فإنه نجاةٌ فردية على حساب مصلحة الجنس البشري، التي تقتضي المحافظة على النسل وعلى فتوةِ المجتمع، وهذه مسؤولية جماعية لا مناص منها، فالافتراض الأصح دوماً يميل لاستمرار الحياة وليس لفنائها، وعلى هذا الأساس يبني الناس كل سلوكياتهم اليومية”.

تتابع فتقول: “حين عصفت الحروب بأوروبا في بداية القرن العشرين، أحجم بعض الناس عن الإنجاب، واكتفى البعض الآخر بطفلٍ أو طفلين، إلى أن حازت القارة لقب (القارةِ العجوز)، وهو لقبٌ علميٌ يدل على مستوى فتوةِ الشعب، وبالتالي مستوى إنتاجيته ونموه الاقتصادي والاجتماعي، فأوروبا اليوم – وإن كانت متفوقة علينا بأشواط – إلا أنني أعتقد أنها مقبلة على مرحلة اقتصادية صعبة للغاية بسبب شحِّ اليد العاملة.

بالعودة إلى مجتمعنا؛ أرى أنه من الأجدى الاهتمام بالنوع والكم في آنٍ معاً، فقد اكتفينا من المشردين والمتسولين وغدونا بحاجة للمبدعين والمنتجين حتى نرمم ما خلفته الحرب ورائها”.

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً