كرتون بريشة رسام الكاريكاتير مرهف يوسف بعنوان "طقطيقة"- شباك سوري
article comment count is: 1

“طقطيقة”

تقول بعض الدّراسات بأن شريط اليوم يمرّ سريعاً في ذهن الإنسان الطّبيعي قبل النوم تماماً كما يمرّ شريط الحياة قبيل لحظة الموت، في حالتي (أنا) الإنسان السوري وبالتالي غير الطبيعي؛ يتراءى شريط سنوات الموت العشر الأخيرة يومياً في ذهني  قبل إغماض عيني. متبوعاً بسؤال:
“طيب، والحــل ؟”
في إحدى الليالي أتبعتُ ذكرى العشر سنوات تلك بثماني حلقات مُتتالية من مسلسل (قيد مجهول) الذي يتطرّق لمرض نفسي لطالما أثار فضولي “اضطراب الشخصيّة التفارقي” قبل أن أخلُد للنوم، وآلاف الأسئلة تدور في رأسي، أحدها كان:
“طيب، والحــل”
صباحاً وأثناء توجهي لجلب بعض الحاجيات، رأيت طفلاً صغيراً يتخذ من وضعيّة التأهب شكلاً له، ينظر نحو الأعلى، ما أن أصبحت بمحاذاته؛ حتى أطبق بقبضته الصغيرة على طرف معطفي، بوجه بائس، وعينين دامعتين، وفم حزين مرتجف، بينما راح يشير بيده الأخرى نحو الأعلى :
“عمو كرمال الله جبلي ياها، إذا بتحبو للنبي جبلي ياها”.
نظرت وإذ بـ (طقطيقه) عالقة على شريط يمتد بين بنائين، فُطر قلبي لهيئته الحزينة، وعزمت على جلبها له، هل هنالك أجمل من امتنان طفل بريء كبداية ليوم عمل متعب؟!، قفزت كنمر متمرّس، فشلت مرتين وأفلحت في الثالثة، أعطيته إياها مع ابتسامة رضى، التقطها من يدي بوجه بارد ولم يتلفّظ بكلمة شكر واحدة، فعيناه لا زالتا ترنو نحو الشرفة المقابلة التي ظهر فيها طفل آخر كاد أن يسقط وهو يمد برأسه نحونا قبل أن يصرخ:

“عموووو، هي مووو إلووو، وحياة الله هي إلي مانها إلوو..عموووووو”
عدّت بنظري إلى الطفل الواقف أمامي الذي ارتدى وجهه البائس من جديد، وقال:

“عمو والله العظيم هاد كذااب، أنا كنت عم ألعب فيها، وفلتت مني وعلّقت عالسلك، يسلمو ايديك”.
مضيت ولم أدر إن كنت قد فعلت الصّواب. وما أن غبتُ عن مرمى أعينهما حتى وصلني صراخهما، لابد وأن الخلاف قد حلّ فيما بينهما.
في طريق عودتي ركض (طفل الشّرفة) نحوي، حمرّت عيناه من شدّة البكاء وامتزجت معالمه بسوائل لزجة اختلطت ما بين دمع ومخاط، بدى خائر القوى ويائساً:
“عمو وحياة النبي الطقطيقة إلي، أبي جبلي ياها من عند الدكنجي روح سألو، وقعت منّي وعلقت عالشريط، خليه يرجعلي ياها، أبي بيضربني إذا ضيعتا”.
كان في معالم هذا الطفل و كلامه من الصّدق والحجّة ما يقول بأنّه هو المالك الحقيقي لـ(الطقطيقه)، توجّهت إلى الطفل الأول الذي تسمّر في مكانه، التقطتها من يده من دون أي مقاومة، وأعدتها لمن احتكمت بأنّه صاحبها الأصلي، وقبل أن أتابع مسيري؛ راح طفل الشرفة يتلاعب بالطقطيقه بمهارة ويناكف بها الطفل الآخر، ويهز بمؤخرته بحركات استفزازيّة  وأهازيج  سمجة.
انقلب وجه الطفل الآخر إلى فم مفتوح استطعت أن أرى من خلاله (العلكة) ترقد تحت لسانه، وأطلق صوتاً حزينا أقرب إلى الجعير أتبعه بشهقات باكية تخرّ على نغمتها أقسى القلوب، فكّرت، ماذا أفعل ؟ وعاد السؤال عينه إلى رأسي: “طيب، و الحــل ؟”
تحرّكت نحو طفل الشرفة الذي حاول التملص منّي، خطفت الطقطيقه من يده، مشيت بها نحو السلك التي كانت عليه، قفزت، وبجهد قليل أعدتها إلى حيث كانت حين وصلت وسط صمت مُطبق من الطفلين، ودار المنولوج التالي في ذهني بينما كنت أصعد أدراج منزلي:
“قديش صعبة الحكمة بعالم مليء بالخداع!، ياترى مين صاحبها؟ كيف قدروا هالطفلين يتلاعبو بحكمة رجل بالغ متلي؟ كيف عم يتنقلوا بين شخصيتي (يزن) و (سمير) تبعات المسلسل بهالسلاسة؟ طيب مو الظرف والبيئة أهم مسببات “اضطراب الشخصيّة التفارقي”؟ أصبح هني عم يستجيبوا استجابة فطرية، ومالهن أي ذنب، طيب المجتمع مو هوي بيئتنا وظروفو ظروفنا!، أصبح أكيد كلياتنا منصابين بشكل أو بآخر بهالإضطراب، وهون لابد هالمرض يفقد صفتو الفردية لازم يصير اسمو “إضطراب المجتمع التفارقي” لأنّو اللي عم نعيشو يومياً بيعزّز هالنظريّة”. وعاد السؤال نفسه: “طيب، والحــل”

واستمر المونولوج: “على مايبدو أنو القائمين على هالمقتله اللي عم نعيشها ماعندن أي حلّ، ليش ؟ لأنو ببساطة تاركين الأمور معلّقة (تماما متل الطقطيقه) ومعتبرين أنو هادا هوي الحل، الحرب طقطيقه صمتها مابيعني أبداً إنّو خلصت …لأنو طقطقة النفوس أصعب من فرقعة القنابل”.

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً

أحدث التعليقات (1)