شابة سورية تكتب قائمة بالأشياء التي تشعرنا بالذنب- شباك سوري
article comment count is: 0

الإحساس بالذنب “وقت مناخد تكسي أو منطلع مشوار”

أعيشُ يومياً خياراتٍ كثيرة، تجعلني أتأرجح وأنا أسير في الشارع ناظرةً كعادتي لوجوه المارّة على أمل أن أرى ابتسامةً هنا وضحكةً هناك، أعيش خياراتٍ ربّما لا يعرف عنها شبّان وشابات بلدان العوالم الأخرى. “بطلع بتكسي لأنيّ تعبانة أو بشتري صندويشة لأنيّ جوعانة” لا خيار ثالث سوى أن أتخلى عن الفكرتين، لأنّ تنفيذ الفكرتين معاً سيكون منهكاً في أخر الشهر بالنسبة لي.

سأشعر بالذنب إن ركبت التكسي وفكرّت بأميّ على موقف الباص، وسأشعر بالذنب إن تناولت صندويشة دجاج أو حتى فلافل، وأخي في الجامعة يملك ثمن محاضراته فقط.

هذه ليست أفكاري وحدي بين هذه السطور، هذه أفكارٌ مطروحة في السرافيس والباصات وجلسات الأصدقاء ممن بقي منهم هنا، ومكالمات الفيديو مع الغالبية التي رحلت.

صديقةٌ لي تعمل مدرسةً في دمشق، يبلغ راتبها ثمن جاكيت في أحد المحلات العادية، أخبرتني في أخر مكالمةٍ لنا: “إلي شهرين ما إجيت عاللادقية شفت أهلي مو لأنيّ مو مشتاقتلن، بحاكين كل يوم بس إذا إجيت كل عطلة نهاية إسبوع رح حسّ بالذنب إنيّ حطيت راتبي أجار طرقات، بشوفن كل شهرين أو كل تلت شهور مرّة مشان خبيّ هالمصاري وأعطيهن هي”.

زينب صديقتي التي تسكن في دمشق، وتعملُ مدرّسةً لمادة التربية الرياضية، تدرس الآن الحقوق ضمن نظام التعليم المفتوح وتعمل في دمشق في مدرسةٍ تبعد عن سكنها وسط العاصمة مئات الكيلومترات، تعمل في فترة ما بعد الظهر في نادٍ خاص للتدريب الرياضي، تبلغ من العمر 26 عاماً، حالها كحال أغلب الفتيات السوريات اللواتي أصبحن اليوم نساءً يحملن المسؤولية منذ عمرٍ صغير.

تخبرني زينب في كلّ مكالمةٍ هاتفيّةٍ لنا، عن أحلامها التي تموت واحداً تلو الآخر، نبدأ حديثنا بحسراتٍ وذكرياتٍ وننهيه بضحكاتٍ على خيباتٍ ذقنا طعمها صغاراً. في إحدى مكالماتنا قالت زينب: “يمكن منيح معنا شهادات لنقدر ندعم أهالينا، ونشتغل ونكون قدّ المسؤولية بهيك وقت صعب، بتلاقي أهمّ أحلامك وطموحاتك إنو راتبك يكفيكي لأخر الشهر”.

“كنت أشتري العطر من السوق الحرّة لأن بيجي ماركات أصلية، وأشتري تيابي من محلات الماركات، هالحكي كان قبل سنين وما كنت حسّ إنيّ عم بعمل شي عظيم، اتخيلي اليوم إذا بمرق بالشارع وريحة عطري بتضل ورايي بحس بالخجل، أمّا التياب نسيت أخر مرّة اشتريت فيها تياب”. كريم محمد 30 عاماً، طبيب يعمل في دمشق مع منظمة تعنى بدعم اللاجئين، بدأ حديثه بهذه الجملة عندما سألناه عمّا تغيّر في حياته.

كريم أكمل حديثه بقوله: “ماني عم قول أنو العطر والتياب وغيرن هنن أساس حياتي بس هيك كانوا قصص بتمرق، أنا اليوم صرت حسّ بالخجل لمّا بشوف الناس يلي عم بتعامل معها وهي مو لاقية أكل، ولا دفا ولا مقومات الحياة البسيطة يلي هي بغير مكان حقوق إنسان وهون هي حلم، صرت حسّ بالذنب لمّا أسهر أو أعمل أيّ نشاط يمكن تكون تكلفتو بسيطة بالنسبة إلي بس هي راتب عيلة كاملة لهيك صرت حطّ حق الأمور يلي كانت تسعدني بدرب ناس بحاجتها”.

كريم الذي يعمل طبيباً ومشرفاً ميدانياً أخبرنا عن القصص التي يراها كلّ يوم ويسمعها من أفواه النساء والرجال والأطفال، أحلامهم لا تتعدى سوى أن يبقوا بأمانٍ من الجوع والبرد.

في بداية شهر أذار من هذا العام حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أنّ “حوالي 60 بالمئة من السوريين يواجهون خطر الجوع”. وليس الجوع وحده ما يعانيه السوريون وإنمّا يعانون كلّ ما يمكن للمرء تخيّله من عذابات.

ليس من سافر أو هجر البلاد بأحسنِ حالٍ من غيره، أغلبهم رحلوا لإكمال الدراسة في مكانٍ يستطيع أن يعطيه راتباً يرسل نصفه لأهله، ويدخر النصف الأخر لحين عودته أو حين سفر ذويه إليه.

“يليّ بيشوف مصيبة غيرو بتهون عليه مصيبتو” يعدّ هذا المثل السوري أشهر الأمثلة اليوم، تسمعه من هنا وهناك عندما يأتي أحدٌ لأولاده بربطة خبز وغيره لا يملك ثمنها، عندما يشتري أحدهم الحاجيات المدرسية لأولاده وغيره لا يملك ثمنها، عندما تجتمع عائلةُ ما على مائدة وأخرى مشتتة في بقاع العالم، كما أنّ السوريين عامةً من الطبقات الفقيرة لا يتكلمون بين بعضهم من اشترى زيتاً أو لحمة أو حتى فاكهة حتى لا يتحسّر الأخرون ممن لا يملكون ثمن هذه الأشياء وتتختم الأحاديث كلها في نهاية أيّ يوم غالباً بغصةٍ وحرقةٍ ودمعة بجملة “الحمدالله الحمدلله”.

 

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً