واجهة مدينة اللاذقية بعدسة ولاء سمير تميم- شباك سوري
article comment count is: 0

في اللاذقية: “نتمشى على كورنيش مالو بحر”!

تتغيّر تفاصيل الحياة اليوميّة بشكلٍ دائم، لكنّ العادة التي اعتدتها منذ ما يقارب العشر سنوات، وهي عند استيقاظي أفتح ستارة النافذة وأطمأن لوجود خط البحر الأزرق البعيد في المدى، لم تتغير، تريحني فكرة وجوده ورائحته في الأرجاء البعيدة، ولليوم لا أرغب بسماع التفسيرات المنطقيّة والعلمية بأنّ الصوت المسموع بداخل الأصداف هو الضوضاء المحيطة من حولنا، والصَدفة التي نحملها فوق الأذن تلتقط هذا الضجيج، فبداخلي أصدّق أنّ ذلك الصوت هو هدير الأمواج على الشاطئ.

على مرفأ المدينة التقيت العمّ أبو ديب الذي أعرفه منذ زمن لكن لم يسبق أن تحدثت إليه، مقهاه الصغير الذي يأخذ زاوية صغيرة من حديقة البطرني؛ حرّك فضولي لأسأله عن تاريخ المدينة تنهيدته سبقت جوابه:” يا بنتي كان في غنيّة لمطرب لادقاني اسمو جورج خوري والغنية اسمها على روض الحبيب، من فترة ورجاني حدا الصورة يلي حاطينا على هي الغنية على الإنترنت، صورة للادقية والبحر قدامك، هلا لسا في ناس وفي لادقية بس مانها لا عروس ساحل ولا شي فيكي تقولي إنها عروس البحر المبلّط”.

مقهى أبو ديب مليءٌ بالصور للمدينة منذ سنوات، صورٌ تجعلك تشعر أنها لمدينةزلا اختفت عن الوجود، انقرضت بدلاً من أن تتطور، “يا بنتي لمّا يحدا نعملو شي وما يعجبو منقلو روح بلّط البحر، هون طبقنا حرفياً هي المقولة بلطنا البحر ورصفناه، ومنروح كيلومترات بعيدة بس لنشوفوا أو نصطاد أو نسبح، ضل كم بقعة صغيرة بس على هالشطوط ما تبلطتت لسا”. نهى أبو ديب حديثه بحسرةٍ كبيرة.

“تروح نتمشى عالكورنيش” عبارةٌ مألوفة في جميع المدن البحرية لكن هنا يجب أن تستبدل ب “تروح نمشي عالكورنيش يلي ما عليه بحر”. روان طالبة جامعية في قسم اللغة الإنكليزية من سكان ريف اللاذقية تقصّ علينا حبها وكرهها لهذه المدينة في الوقت عينه :”اللادقية مدينة التناقضات مدينة البحر البعيد، مدينة السينمات المسكرة، مدينة الشوارع التعبانة، من زمان كنت أتمنى أسكن بالمدينة بس اليوم لا لأن عالأقلّ بضيعتي فيي ألمس البحر مو بس ألمحو من بعيد، مقولة الكاتب حنّا مينة بتمثل حبيّ للبحر (إذا نادوا: يا بحر أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت).

روان تستطيع أن تسمع صوت البحر من غرفتها في قريتها المطلّة على شاطئ البسّيط تماماً لكن حتى هذه الشواطئ لم تعد لأهلها تصف روان مشهد الشواطئ في الأفلام التي كانت قد شاهدتها كأنها تتكلم عن شيءٍ من عالمٍ أخر “: بالافلام بتشوفن بيروحوا على الشطّ وما في حواليهن غير البحر، هون صارت قليلة الأماكن يلي ممكن تكون فيها لوحدك أو تستمع بجمال الطبيعة، أغلب الأماكن صارت مستملكة للأسف”.

وبحسب تعبير روان، يعتبر وادي قنديل ورأس البسيط اليوم من الأماكن النادرة التي يمكنك الذهاب إليها في اللاذقية والسباحة ورؤية البحر قريباً منك بدون أن تزعجك الواجهات الحجرية والأرصفة الطويلة.ّ

رانيا 24 عاماً، من سكّان المدينة البحرية جاوبتنا بجملةٍ واحدة عندما سألناها عن البحر القابع بعيداً: “كما يقول الشاعر العراقي مظفر النواب ( مو حزن، لكن حزين مثل صندوق عرس ينباع خردة)”. جملة رانيا لخصت ما تقوله عيون من يجلسون يومياً على المقاعد الحجرية التي تخفي البحر، لخصت ضحكات الصيادين المتواجدين على شاطئ الكورنيش الجنوبي وابن هاني وهم يسعون خلف رزقهم، لخصت رحلات الزوارق الساعية خلف القليل من الأسماك.

إن أحببت أن ترى كيف كانت هذه المدينة، ضع قبالة عينيك الصورة الموجودة على أغنية جورج خوري عن اللاذقية وتذكّر كيف كان البحر ضميراً متصلاً منذ زمن، تستطيع هنا أن تكون المخرج السينمائيّ لمشهدٍ ولىّ من العقد الجميل تستطيع أن تتخيل المدينة كأمٍ تلبس شالها الأبيض تُمسك طرفه وتكفكف به دمعها. رائحة البحر فقط ما هو موجود، شاهدٌ على الغياب الذي يجعلك تنثر مياه العين على شبابيك الباصات والسرافيس والمقاهي وأنت تتساءل ماذا حدث؟

 

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً