الفنان السوري سامر ابراهيم يقف على خشبة مسرح في حمص- كامل عوض
article comment count is: 0

بالصور: “مشاهدات حمصية”

كان يا مكان، في قديم الميلان، كانت حكايا تُطرّز، وحكايات تنام. حكايا حمص القديمة، وأمثالها وتراثها، الذي غدى اليوم منسيّاً لا يحكيه إلّا القلة، وبعد حرب العشر سنوات، جاءت ورشة الميلان المطرّزة بالحكايات والقصص.. فكانت فعالية “بكل غرزة حكاية” في مدينة حمص بالصالة الأثرية لكنيسة الأربعين بإشراف الفنان السوري سامر إبراهيم (أبو ليلى).

أبو ليلى من مواليد 1970 – حمص، وهو ممثل مسرحي منذ عام 1988، ومدرب مسرحي في فريق الدعم النفسي ومهارات الحياة، يحكي لنا عن الرغبة التي دفعته لإقامة هذه المبادرة، يقول: ” كنت أبحث عن شيء “حمصي بامتياز” فكان لتطريز الميلان النصيب الأكبر من الاقتراحات، ومن عادات سيدات حمص قديماً صنع قطع قماشية مطرّزة بخيوط الميلان، وهي خيطان حريرية، تستخدم لصناعهتا إبر خاصة وخيط البريم والخيط العادي، وقيماً كانتتجهّز العروس بقطع مطرّزة تختلف بين أغطية للأسرّة وللطاولات، ومنا انطلقنا للبحث عن سيدات تهتمّ بالتطريز أو تميل لتعلّم حرفة جديدة وهي تطريز الميلان”.

بدأت رحلة 23 سيدة تتراوح أعمارهن بين 20 – 50 سنة في ورشة تطريز الميلان على أيدي مدربات مختصّات بهذا الفنّ، ليكتسبن مهارات تحيي تراث حمص. ومن تطريز الحكايا أتت فكرة ورشة التمثيل لروي حكايا وقصص مختلفة من المدينة عبر تدريب 20 شابّ وشابّة على عرض حكاياتهم وتحويلها لنصوص مكتوبة وتقديمها كعرض مسرحي.

في  15 أيلول العام الماضي بدأت ورشتا الميلان والتمثيل، وكانت النتيجة النهائية إقامة معرض لمنتجات السيدات “بكل غرزة حكاية”، وعرض مسرحي عن قصص المتدربين وحمص وتراثها وحاضرها وهمومها فكان عرضاً “حمصياً بامتياز”.

قصصٌ مرويّة من واقع المتدربين، تحكي عن اغترابهم عن حمص أو ذكرياتهم في صغرهم عن العيد ورحلاتهم إلى منزل الجد، عن الذين تركوا المكان ولم نعرف عنهم شيئاً، عن الطرقات والشوارع التي حفظتنا وحفظناها فصارت جزءاً منا.

تقول عائشة الأبرش (22 عاماً- هندسة عمارة): “تجربة التمثيل عظيمة بالنسبة لي لما لها من أثر على شخصيتي، وخاصة أنني شاركت الناس قصة حقيقية عني مررت بها في سنوات عمري”، وتضيف الشابة العشرينية: “حمص مدينة عُرفت بشعبها المميز البسيط، مدينة مليئة بالحكايات لم يعد يسمعها أحد منذ بداية الحرب، فاندثرت الذكريات في عقل الجيل الذي وعي عليها، ورحلت أخرى مع الجيل القديم، ولهذا أردنا في هذا العرض الإضاءة على ماضي حمص وحاضرها، والدور الذي يقع على عاتقنا في الحفاظ عليها وعلى ما بقي من آثارها لتبقى محفوظة بذاكرتنا”.

بالمقابل يذكر زين الضاهر (16 عاماً): “تجربتي مع المسرح كانت قصيرة، ولكنها قيّمة جداً، دخلت إليه بداعي الفضول والاكتشاف، ولكن مع مرور الوقت وجدت ذاتي به حيث شكل مساحة كبيرة لأعبّر عمّا في داخلي بحرية، وكان عالمي الآخر بعيداً عن الواقع والحياة اليومية، رغم محاكاته للواقع بطريقة فنية خيالية. فكانت تجربتي الأولى مع الفنان المسرحي الأستاذ سامر في ورشة الحكايات التي كان ختامها العرض المسرحي”.

يحكي زين عن أحد أدواره الذي تحدث فيه عن “أصالة حمص وتاريخ شارع الدبلان، ليختم المشهد بأغنية دينية قديمة”، مضيفاً: “عند انتهاء العرض ووقوفي لتحية الجمهور لأول مرة وسماع صوت التصفيق، انتابني شعور غريب وجميل جداً يعجز الكلام عن وصفه، فأصبحت تلك الخشبة تعني لي الكثير.. كتبتُ مرةً: (يوماً ما.. على تلك الخشبة .. تحت ذلك الضوء … أسرد تلك الحكاية .. وأسمع صوت أدائي تصفيقاً ينعش الروح … أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً)”.

كان العرض المسرحي يروي تفاصيل قصة عائشة الفتاة التي تهوى الوقوف أمام المرآة وتريد أن تغذّي فضولها حول الحياة فتسمع قصصاً من أبيها، وزين.. الملك القاسي الذي يلقّن سجين الحياة درساً في الحكمة، والطفل الذي عانى من تنمّر أصدقائه على أسنانه، وشاب ترك أبيه واغترب، وعن أخٍ يبحث عن أخيه المفقود، وأب يعمل طوال اليوم ليستطيع تأمين قوت عائلته.. قصصاً محبوكة بالحرب، ممزوجة بالذكريات، ممتلئة بالضحكات والعَبَرات.. تسمع كلمات عتيقة، وأمثال شعبية قديمة، ترى الصدق في حبّ هذه المدينة، تأخذك المسرحية إلى قديم الزمان، إلى مراجيح العيد، والكعك، والألعاب، والفوانيس.

وأختتم العرض المسرحي بعرض قطعة قماشية مطرّزة من قبل سيّدات ورشة تطريز الميلان، ورسمت عليها وغُرزت كلمة حمص.

 

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً