حمام "أمونة" في دمشق القديمة- شباك سوري
article comment count is: 0

حمام النساء الشعبي.. قرون من البخار والأسرار

الكتابة عن حمام النساء الشعبي ليست أمراً يسيراً على الإطلاق. تكمن صعوبتها الأساسية في تعذر نقل التفاصيل الحميمة والسحرية عبر اللغة وحدها. أما نقلها عبر الصورة فهو أمر أكثر صعوبة وتعقيداً؛ إذ ناهيك عن أن إدخال أي موبايل أو كاميرا إلى الحمام أمرٌ ممنوع، كذلك وجود أداة تسجيل واحدة داخل هذا الفضاء السحري قد يبدد سحره في لحظةٍ واحدة. إذاً فإن تسنت لك فرصة زيارة حمام النساء الشعبي فلا أداة تسجيل لديك إلا العيون والذاكرة.

أنا الآن أمام هذه المهمة الصعبة: في ذاكرتي مشاهد أرغب بوصفها تماماً كما رأيتها.

المشهد الأول: البراني/ الماضي والحاضر جنباً إلى جنب على مصطبة:

“عادةً ما أقصد حمام أمونة للاستحمام مرةً كل أسبوع” تقول ريما (27 عام/ خريجة فنون جميلة).

مظهر ريما يوحي بأنها فتاة عصرية، بوشم على ساعدها وحلقة في أنفها، وشعرٍ قصير. تضيف: “في المرة الأولى التي زرت فيها الحمام كان الأمر أشبه برحلة سياحية. لكنني ما إن دخلت من الباب حتى شعرت بأنني دخلت بلاد العجائب.

اليوم أصبحت أقصد الحمام بشكل دوري لعدة أسباب، أولها هو المتعة والراحة، وثانيها هو الدفء ووفرة المياه، وهو ما لا أجده في حمام البيت الذي أتشاطره مع صديقاتي. فبسبب انقطاع الكهرباء بشكل كبير نادراً ما أتمكن من الاستحمام بمياه ساخنة، ودون الحاجة للانتهاء سريعاً كي أفسح المجال لغيري كي يدخل قبل أن تنقطع الكهرباء مرة أخرى.”

تتفق أم بشار (65 عام/ ربة منزل) مع ريما فتقول: “لقد ورثت عادة القدوم إلى حمام السوق عن أمي وجدتي. كان الأمر أشبه بنزهة. مع تقدم الزمن لم تعد هذه العادة حاضرةً بشكل كبير، بسبب ضيق الوقت وشكل الحياة السريع. أما اليوم فقد عادت هذه العادة، مع الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي وندرة وجود مصادر التدفئة والوقود.


المشهد الثاني: الوسطاني/ الاستحمام في قلب التاريخ

أجلس بالقرب من أحد الأجران الحجرية، أملأ الجرن بالماء الساخن، وأبدأ بسكبه على جسدي بطاسةٍ نحاسية. تصلني أصوات انسكاب المياه، واصطفاق الطاسات النحاسية على الأرض أو على حواف الأجران أو على سطح المياه.

حمام أمونة يقع في حي العمارة البرانية خارج أسوار دمشق القديمة، بالقرب من تربة الدحداح، وجامع الأقصاب الذي بني في نفس الفترة الزمنية تقريباً؛ بدايات القرن الثالث عشر الميلادي أيام الحكم المملوكي للبلاد.

تاريخياً تعتبر الحمامات العامة في سوريا، ومدينة دمشق تحديداً إرثاً حضارياً متوارثاً من أيام الرومان وحتى اليوم، حيث كانت الأسر تقصد الحمامات العامة للاغتسال بسبب عدم وجود حمام داخل البيوت إلا في بعض القصور المترفة.

عبر التاريخ لم تخلو حارة من حارات دمشق من وجود حمام شعبي، يستقبل الرجال والنساء كلٌ في وقت معين للاستحمام وقضاء وقت ممتع والترويح عن النفس وحتى الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية كالزواج والولادة والنفاس وغيرها. اليوم تراجع عدد الحمامات بشكل كبير، وأصبح معظمها مهدداً بالانهيار بسبب الإهمال، واحتياجها المستمر إلى عمليات ترميم.

من داخل سحابة البخار التي غرقت فيها، أنظر إلى خيوط الشمس المتسربة من الفتحات الزجاجية في القبة التي تسقف الحمام. وأفكر بالنساء اللواتي جلسن في مكاني هذا منذ أن بني الحمام قبل حوالي ثمانمائة عام تقريباً. لا بد إنهن كثيرات جداً.

المشهد الثالث: الجواني/: العيون السود

أتمدد على الرخام المبلل، تفرك المكيسة جلدي بكيس خشن أسود، وهي تغني أغنية “العيون السود” لـ “وردة الجزائرية” بلهجة شامية ثقيلة. يتداخل صوتها وصداه مع رائحة صابون الغار والزيوت العطرية والبيلون. أسألها: “منذ متى وأنت تعملين هنا؟” فتجيبني بأنها في نهاية هذا الشهر تكمل الست سنوات: “أخرجني أهلي من المدرسة في الصف التاسع من أجل تزوجي. بعد أن أنجبت ابني الثالث قررت أن أبدأ مشروعي الخاص. فتحت صالون حلاقة في أحد غرف بيتي الخارجية. ما إن بدأ الصالون يلقى رواجاً حتى خيرني زوجي وأخوته بين أن أحاصصهم بالربح أو أن أفرغ لهم الغرفة لكي يؤجروها. لم تكن الأرباح تكفي كي أتقاسمها معهم، فاضطررت للتخلي عن مشروعي. بعد ذلك بقليل مرض زوجي فاضطررت للبحث عن عمل. وجدت فرصة عمل في الحمام هنا. في البداية كنت أهتم بأمور نتف الشعر وماسكات الوجه ورسم الحنة، ومع الوقت صرت أستطيع القيام بكل المهام”.

تضيف مروة (32 عام): “رغم أن عملي شاق لكنني أحبه. تريحني فكرة تعاملي مع النساء دون أن أضطر إلى الاختلاط بالرجال. أشعر بنوع من الحرية والسلطة هنا وأنا أتنقل من زبونة إلى أخرى، أحادثهن وأريحهن من أعبائهن. إنه المكان الوحيد الذي لي كلمة فيه”. تضحك ضحكةً خفيفة ما تلبث أن تختفي. تضيف: “الحياة صعبة جداً. لا أحد يستطيع إنقاذك سوى نفسك. ما يعزيني هو أن أولادي الثلاثة يدرسون… الله يسامح أهلي.” أنظر إلى وجهها فأرى الدموع مختلطة بالماء على وجنتيها. بالكاد يمكن التمييز بينهما. تملأ مروة طاسة ماء وتسكبها على وجهها ومن ثم تكمل فرك جلدي وهي تدندن “قد اللي جاي من عمري بحبك…”.

 

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً