عيادة نسائية- شباك سوري
article comment count is: 0

زيارة مؤجلة إلى العيادة النسائية

رغم حاجتها المُلحّة لزيارة طبيب أو طبيبة نسائية، فضّلت لمى 35 عاماً (اسم مستعار) تأجيل الموضوع، وأجابت مفسرة ترددها: “لم أكن مستعدة لجو التحقيق أو النظرّات التي قد أُقابل بها حول فقدان عذريتي”.

وعلى الرغم من أن معلومات كهذه يُفترض أن تكون حساسة جداً ويتم صونها من الطبيب الذي يجب عليه أن يخلق بيئة آمنة تشجع مريضاته على البوح بمشكلاتهن وظرفهن الجسدي دون خوفٍ من الحكم عليهن أو تعيرهن؛ لكن الأمر في العيادات النسائية مُختلفٌ عن هذا تمام الاختلاف. فمنذ اللحظة التي تدخل فيها المرأة باب العيادة تجد نفسها فيما يُشبه “الصبحية”. النساء هناك يتحدثن على الملأ؛ امرأة تقول بأن زوجها ينتظر منها أن تُنجب بنتاً لأنه يحب البنات، وأخرى تحدّث ضرّتها التي رافقتها للعيادة عن الضرّة الجديدة التي تزوجها زوجهن المشترك.

في العيادة النسائية نساء ثريّات وأخريّات يبدون أشد فقراً، منهن الشابات والكبيرات في السن، لكن ما يوحدهن هو امتلاكهن جسداً يعمل بطريقة واحدة وخوفهن من ضعف الخصوبة وسرطان الثدي أو الرحم. ولأن المجتمع في “العيادة النسائية” متنوّع جداً، تشعر الكثير من النساء بالغرابة والاختلاف.

تتذكر سلام (30 عاماً) صوت سكرتيرة الطبيب تصرخ فيها من الطرف الآخر من غرفة الجوس وهي تسجّل اسمها على دفتر المواعيد: “بنت ولا متزوجة؟” ورغم أن سلام وقفت واقتربت من الموظفّة وتكلمت بصوت خافت؛ إلا أن السكرتيرة لم تلتقط إشارتها أو تخفض من وتيرة صوتها وأكملت: “بنت ولا متزوجة؟! لأنو يفرق بالفحص”. وغالباً ما تمتد سلسلة الإحراج إلى داخل غرفة الفحص وتنتقل فيما بعد إلى رحلة البحث عن صيدلية بعيدة يمكن منها شراء الأدوية المطلوبة دون المخاطرة بأن يذاع مستجدات حالتها الصحيّة في كامل الحارة.

للحقيقة تضطر الكثير من النساء لتلفيق أكاذيب كاملة قبل الدخول إلى العيادة النسائية، فالتعامل مع سيناريو مُختلق لحياة يرضى عنها المجتمع قد يكون أيسر بكثير من الإفصاح عن السيناريو الحقيقي القائم. الغريب في الأمر أن المرأة التي كانت تُحدث ضرتها عن عروس زوجها الثالثة لم تشغل بالها بتلفيق سيناريو آخر.

كل تلك الخبرات والمشاعر تجعل مدة المعاينة الطبيّة التي قد لا تتعدى ربع ساعة بالنسبة للكثيرات أشبه بكابوس طويل يتقن للاستيقاظ منه. في حين تقرر بعض النساء عدم الذهاب إلى الطبيب أساساً، والاكتفاء بالمغاطس وشرب الماء والبحث عن اقتراحات غوغل للعلاج، أو استشارة غير المختصّات من الصديقات الموثوقات التي قد يتذكرن اسم دواء نفعهن ذات يوم.

والحقيقة أن عدم احترام سرية المريضات لا يقتصر على حدود العيادات النسائية، مرام (40 عاماً) المقيمة في مدينة صغيرة، تذكر ملاحظة طبيب الصدرية الذي بادر إلى سؤالها بمجرد علمه بأنها مُدخّنة: “وهل يعلم حماك (أب زوجك) بأنك مدخنة؟!”. فيما تذكر مرام أيضاً دخولها مع زوجها إلى عيادة طبيب هضمية اكتفى بوضع ستارة تفصل مكتبه عن سرير المعاينة، ما يعني أنهما استطاعا الاستماع إلى كل الأسئلة التي يتم طرحها على المريضة الجالسة على السرير، والتي ستعود لتخرج من ذات الباب أمامهما مُحرجةً بعد علمها بأن حركة أمعائها وانتظام دورتها الشهرية بات مكشوفاً أمامهما.

يرجع الكلام عن ضرورة حفظ سريّة المريض إلى عصر “أبو الطب” أبقراط، الذي يقول في قسمه الشهير: “وأما الأشياء التي أعانيها في أوقات علاج المرضى أو أسمعها في غير أوقات علاجهم في تصرف الناس، من الأشياء التي لا يُنطق بها خارجًا فأمسك عنها، وأرى أنَّ أمثالها لا ينطق به”. وفيما يذكر ميثاق الشرف المتعلق بمهنة الطبيب والمعتمد في بعض الدول العربية ما يلي: “أقسم بالله العظيم أن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عورتهم، وأكتم سرهم”. لكن يبدو أن أبقراط أو واضعي المواثيق لمهنة الطب الذين جاؤوا بعده لم يفكرّوا بوضع معايير تحدد سلوك السكرتيرة وحجم غرف الانتظار.

في الوقت الذي نرى فيه كثافة في الحملات التوعوية حول ضرورة الزيارات الدورية للأطباء للكشف المبكر عن السرطان أو أي أمراض أخرى. نجد قلّة من الجهود التي تُفكّر في كيفية تحويل العيادات الطبيّة إلى بيئة آمنة للنساء، أو تسأل لماذا تتجنب النساء قدر المستطاع زيارة الطبيب وتفضلن تأجيلها إلى أجلٍ غير مُسمى؟

 

* هذه المادة بدعم من اليونسكو، ولكن المعلومات والآراء الواردة فيها من قبل المستخدمات والمستخدمين هي آراء خاصّة ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو موقف منظمة اليونسكو وموقع شباك سوري.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً