article comment count is: 0

وجه آخر للأمثال الشعبية .. تكريس للعنف والتمييز الجندري

يقولون «اسأل مجرب ولا تسأل حكيم» و«الجار قبل الدار» وعن الضيوف «الضيف المنظوم بيشرب القهوة وبقوم»، الأمثال لم تترك شيئاً لم تتطرق له «فالكلمة الحلوة طالعة والكلمة البشعة طالعة»، وعلى الرغم من أنها تتغنى وتمدح بالكرم والشهامة والجمال، إلا أن العديد منها يحمل طابعاً عنفياً مباشراً، ويدعو له بشكل واضح، مثل «العصا لمن عصا، أو حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس، أو الحجر اللي ما يعجبك بفجك»، ومثل هذه الأمثال التي توحي بالعنف في اللفظ والمعنى، وقد تحمل بعض الأمثال معانٍ للتنمر على بعض فئات المجتمع أو على الشكل بصفة عامة مثل «القرد بعين أمو غزال، أو الطول هيبة والقصر خيبة، أو الطويل طول عز والقصير حبة رز».

الأمثال الشعبية على اختلافها من أهم عناصر الثقافة الشعبية، فهي مرآة للمجتمع ومعتقداته التي تشمل كافة جوانب الحياة، وهي انعكاس لكيفية التعامل مع بعض الأمور، والتي غالباً ما يخلص إليها هذا المجتمع بعد عدة تجارب لا يمكن الاستناد لها ولكنها قد تخدم سياقاً ما، مثل السلطة الذكورية أو الهيمنة القبلية وغيرها.

إذ يفيد رام أسعد-24 عاماً- وهو ناشط في بناء السلام واللاعنف في حوار مع شباك سوريّ أن «مشكلة الأمثال الشعبية تكمن في أنها تعطي بمعظمها أحكاماً نهائية قطعية، نتيجة تجارب سابقة، وينظر المجتمع لها على أنها أحكام صحيحة مبنية على تجارب وخبرات، وعلى أنها حكمة الأجداد والقدماء التي نقلوها لنا»، ويضيف: «عندما نعطي مثل شعبي فإننا نعطي حكما نهائيا، ونسد الطريق أمام الكثير من المفاهيم المرتبطة بالمساواة».

تكمن الخطورة الحقيقية التي تحملها بعض الأمثال الشعبية في ترسيخ ظاهرة العنف ضد المرأة والتمييز الجندري في المجتمعات التي تعاني أساسا من فجوة هائلة بين الجنسين وعنف ممارس تجاه المرأة، إذ يُعرّف العنف ضد المرأة وفقا لإعلان القضاء على العنف ضد المرأة للأمم المتحدة أنه «أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة ن سواء من الناحية الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء في الحياة العامة أو الخاصة».

ويمكن الاستنتاج من التعريف السابق ببساطة ان هذه الأمثال ومنذ أن وجدت في مجتمعاتنا كرست العنف ضد المرأة ودعت له بشكل صريح، انطلاقاً من «البنات ياتسترهن يا تقبرهن» وصولاً إلى «المرا متل السجادة كل فترة بدا نفض، أو المرا متل الزيتون ما بتحلى غير بالرص».

يمارس الكثير العنف النفسي تجاه النساء باستخدام الأمثال التي تحطّ من شأن المرأة، والتي قد ينطلقون منها تبعاً لثقافة دينية أو مجتمعية سائدة، مثل «صوت حية ولاصوت بنية، أو أمّن للحية ولا تأمّن للمرا» أو الأمثال التي تعبر عن المصاب بتربية الفتيات مثل «هم البنات للممات، أو عقربتين عالحيط ولا بنت بالبيت» أو كالمثل الشائع في بعض المناطق شرق سوريا «الولد فرحة لو قد حبة القمحة».

ولا تقف الأمثال على تكريس العنف وحسب، وإنما تعزيز الصورة النمطية السائدة بكون المرأة أقل قدرة من الرجل وعدم قدرتها على تولي مسؤولية إدارية أو اقتصادية بالمثل، كالأمثال: «لا تسلم المرا دقنك وسرك ومالك، أو بتديّن وبتتزين»، وهي دعوة صريحة لعدم المساواة بين الجنسين، وتشكل بذلك ذهنية رافضة لسلطة أنثوية مكافئة لسلطة الرجل.

في المجتمعات البطريركية التي تجعل من مسألة الشرف والعرض مسألة جوهرية تعني الحياة أو الموت، تلعب الأمثال الشعبية دوراً مهما في التعبير عن مدى وجوب ستر الفتاة أو إنهاء حياتها بجرائم الشرف إذا ما انتهكت العرض أو قامت بما يخلّ بشرف العائلة، مثل «البنت إما جبرها أو قبرها، أو اقطع راس البس من ليلة العرس»، أو «سترة البنت جازتها، واخطب لبنتك قبل ابنك» مؤسسة بذلك لثقافة قد تدافع عن زواج القاصرات أو الزواج المبكر بحجة السترة.

من المهم جداً إدراك أن تداول مثل هذه الأمثال يكون بالدرجة الأولى على لسان النساء أنفسهنّ، إذ يلعبن دوراً مهماً في إبقاء هذه الذاكرة الشعبية من المصطلحات والثقافة التي تضرّ بهن دون أن يدركن ذلك، والتي تقف عائقاً في كثير من الأوقات أمام المحاولات للتقدم في مجال المساواة بين الجنسين.

وبذلك تكون الأمثال الشعبية في كثير من الأحيان عقبة أمام عملية بناء السلام في المجتمع والحفاظ على التماسك المجتمعي، كما يؤكد رام لشباك سوري، إذ يقول أن: «خطورة الأمثال الشعبية ليست فقط بتكريس العنف والتمييز الجندري، بل بإعاقة حتى الحاملين لقيم اللاعنف والسلام ضمن المجتمع، فعند كل خطوة يخطوها الناشط بمجاله يصطدم بالأمثال الشعبية على أنها حكم منتهي لا يناقش، وقد ترتقي في بعض الأحيان إلى قاعدة عنفية مجتمعية لا يمكن تجاوزها بالسهل».

لذلك ربما لا بد من إعادة النظر في استخدام هذه الأمثال ضمن المجتمع وثقافته الشعبية، والدعوة لثقافة بديلة تدعو للمساواة بين الجنسين وترد اعتبار المرأة ضمن المجتمع، والعمل على ذلك بشتى الوسائل الممكنة.

هل وجدت هذه المادة مفيدة؟

اترك تعليقاً